يدخل موسم قطف الزيتون في فلسطين عام 2026 وسط تصاعد الاعتداءات التي تستهدف المزارعين وأراضيهم وأشجارهم في الضفة الغربية، بالتزامن مع قيود تحول دون وصول آلاف المزارعين إلى حقولهم، وأوامر عسكرية تستهدف الغطاء الشجري، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاس هذه الظروف على إنتاج الزيتون وزيت الزيتون ومصدر رزق آلاف العائلات الفلسطينية.
وتشير المعطيات الصادرة عن وزارة الزراعة إلى أن الأضرار التي لحقت بأشجار الزيتون في الضفة الغربية منذ عام 2023 وحتى نهاية أيلول/سبتمبر 2026 طالت نحو 286 ألف شجرة، فيما تجاوزت الخسائر المالية المرتبطة بها 157 مليون دولار، في ظل استمرار الاعتداءات وصعوبة الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
219 اعتداء خلال الأيام الأولى من الموسم
وتكشف بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن تصاعد الاعتداءات بالتزامن مع بدء موسم القطاف. فخلال الفترة الممتدة من الأول وحتى الثاني عشر من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، سُجل 219 اعتداءً، ارتبط 136 منها بموسم الزيتون.
وشملت الاعتداءات حالات اعتداء مباشر على المزارعين أو منعهم من الوصول إلى أراضيهم، إلى جانب سرقة المحاصيل وتخريب الأشجار. ووفق المعطيات المعلنة، سُجلت 92 حالة مرتبطة بالاعتداء على قطّاف الزيتون أو منعهم من الوصول إلى الحقول، منها 59 حالة نُسبت إلى المستعمرين، و19 حالة بمشاركة المستعمرين وقوات الاحتلال، و14 حالة نُسبت إلى قوات الاحتلال وحدها، إضافة إلى 45 حالة أخرى شملت سرقة المحاصيل أو إلحاق الأضرار بالأشجار.
وتأتي هذه الأرقام في سياق تصاعد الاعتداءات خلال المواسم الماضية؛ إذ وثقت الهيئة 333 اعتداءً خلال موسم 2023، و407 اعتداءات في 2024، و441 اعتداءً خلال موسم 2025. ولا تزال حصيلة عام 2026 جزئية، مع استمرار موسم القطاف.
أمير داوود: استهداف الأشجار يهدد ارتباط الفلسطينيين بأرضهم
ويقول مدير عام دائرة التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داوود لـ"بكرا" إن أكثر من 50 ألف شجرة تعرضت لاعتداءات إسرائيلية منذ بداية عام 2026، مشيراً إلى صدور 55 أمراً عسكرياً تستهدف إزالة الأشجار والغطاء الشجري في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
ويشير داوود إلى أن الاعتداءات لا تقتصر على تدمير الأشجار، بل تترافق مع منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، والتوسع الاستعماري، وإقامة البؤر الاستعمارية، بما يضعف قدرة العائلات الفلسطينية على استثمار أراضيها والاستفادة من محاصيلها.
ويضيف أن نحو مليون ومئة ألف دونم أُغلقت خلال السنوات الماضية أو مُنع المواطنون من الوصول إليها، ومن بينها نحو 150 ألف دونم مزروعة بأشجار الزيتون، وفق تقديرات وزارة الزراعة التي أشار إليها.
ويحذر لـ "بكرا" من أن الموسم الحالي يبدو أكثر صعوبة من المواسم السابقة، في ظل اتساع نطاق القيود والاعتداءات، وما يرافقها من مخاطر على المزارعين خلال وجودهم في الحقول.
وفي مواجهة هذه الظروف، تعمل هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بالتنسيق مع وزارة الزراعة والهيئات المحلية ومجموعات المتطوعين والمتضامنين على تحديد المناطق الأكثر تعرضاً للاعتداءات، وتنظيم وصول المزارعين إليها، وتوفير المساندة خلال القطاف، إلى جانب توثيق الانتهاكات.
وتتمثل الأولوية، بحسب داوود، في تمكين المواطنين من الوصول إلى أراضيهم، وتوفير الحماية والمساندة لهم، ومساعدتهم على إنجاز القطاف في المناطق التي تواجه مخاطر متزايدة.
وزارة الزراعة: إنتاج متوقع بنحو 21 ألف طن
وفي ظل هذه التحديات، أطلقت وزارة الزراعة التحضيرات لحملة قطاف الزيتون لعام 2026، بالشراكة مع مؤسسات وطنية ودولية، بهدف دعم المزارعين وتعزيز صمودهم وحماية أراضيهم.
وأكد وزير الزراعة رزق سليمية أن حماية الموسم ومساندة المزارعين تتطلبان تكامل الجهود الرسمية والمجتمعية، وتنسيق التدخلات الميدانية بما يضمن وصول المزارعين إلى أراضيهم وقطف محاصيلهم، خصوصاً في المناطق الأكثر عرضة للاعتداءات.
وشدد سليمية، خلال بحث الاستعدادات للموسم في محافظة جنين، على ضرورة التنسيق بين الوزارة والمحافظات والهيئات المحلية، في ظل الانتهاكات التي تطال المزارعين وأراضيهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم.
كما بحثت الوزارة مع الدفاع المدني سبل توفير الدعم اللوجستي والبشري، وتعزيز إجراءات السلامة والاستجابة للمخاطر خلال الموسم، بما يشمل مساندة المزارعين ورفع الجاهزية للتعامل مع الحوادث والحرائق.
وتعتمد الحملة الوطنية هذا العام نهجاً لامركزياً، من خلال تشكيل لجان محلية في القرى والبلدات لتحديد الاحتياجات، وتنظيم حركة المزارعين، وتنسيق مشاركة المتطوعين، وتوجيه الدعم إلى المناطق الأكثر تضرراً.
وبحسب التقديرات الأولية لوزارة الزراعة، يُتوقع أن يبلغ إنتاج زيت الزيتون في فلسطين خلال الموسم الحالي نحو 21 ألف طن، وهي كمية قد تغطي احتياجات السوق المحلية المقدرة بنحو 15 إلى 15.5 ألف طن، إلى جانب الكميات المخصصة للتصدير والمخزون لدى المزارعين والتجار. وتبقى هذه التقديرات قابلة للتحديث وفق الكميات الفعلية المنتجة والمسوقة.
وحددت الوزارة يوم 15 تشرين الأول/أكتوبر موعداً لبدء قطاف صنف النبالي البلدي، فيما يبدأ قطاف النبالي المحسن والأصناف المروية المخصصة لإنتاج الزيت في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر، مع إتاحة تجهيز المعاصر وفحصها ابتداءً من 11 تشرين الأول/أكتوبر.
فياض فياض: القطاف المبكر قد يؤثر في الإنتاج والجودة
من جهته، يحذر مدير عام مجلس الزيتون الفلسطيني والمختص في قطاع الزيتون فياض فياض من أن الموسم يواجه تحديات استثنائية، لا تقتصر على الاعتداءات ومنع الوصول إلى الأراضي، بل تمتد إلى القرارات التي يضطر المزارعون إلى اتخاذها لحماية محاصيلهم من الضياع.
ويشير فياض إلى أن الخوف من الاعتداءات أو سرقة الثمار يدفع بعض المزارعين إلى قطاف الزيتون قبل الموعد الفني الأنسب، ما قد يؤثر في كمية الإنتاج وجودة الزيت، تبعاً لدرجة نضج الثمار والصنف والظروف الزراعية.
ويدعو إلى وضع خطة واضحة لكل قرية وبلدة، تراعي طبيعة الأراضي والطرق المؤدية إليها ومستوى المخاطر المحيطة بها، مع تنظيم مواعيد القطاف وآليات الوصول، والتنسيق بين المزارعين والهيئات المحلية والجهات الرسمية.
ويؤكد أن التحضير للموسم لا ينبغي أن يبدأ عند وصول المزارعين إلى الحقول فحسب، بل يتطلب تحديد الأراضي التي يمكن الوصول إليها، وتلك التي تحتاج إلى تنسيق مسبق، ووضع ترتيبات عملية تتيح للمزارعين إنجاز عملهم بأمان، وتقلل خسائرهم قدر الإمكان.
خسائر متراكمة تطال الأشجار ومصدر الرزق
وتوضح بيانات وزارة الزراعة حجم الأضرار التي لحقت بأشجار الزيتون خلال الأعوام الماضية. فقد تضررت نحو 25 ألف شجرة خلال عام 2023، و70 ألف شجرة في 2024، و91 ألف شجرة في 2025، فيما وصل العدد إلى نحو 100 ألف شجرة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026.
وبلغت الخسائر المالية المقدرة نحو 12 مليون دولار في عام 2023، و23.3 مليون دولار في 2024، و55 مليون دولار في 2025، وأكثر من 67 مليون دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، لتتجاوز الخسائر المتراكمة 157 مليون دولار.
ولا تعكس هذه الأرقام الأضرار البيئية وحدها، إذ تمثل أشجار الزيتون مورداً اقتصادياً رئيسياً لعائلات فلسطينية كثيرة، ومصدراً للدخل والعمل الموسمي، فضلاً عن ارتباطها بالملكية الزراعية واستمرار الوجود الفلسطيني في الأرض.
وتواجه الأراضي الواقعة قرب المستعمرات والبؤر الاستعمارية، وفي مناطق التماس وخلف الجدار، صعوبات خاصة في الوصول إليها. ومع تعذر القطاف في بعض المناطق أو تأخره، تصبح الثمار عرضة للتلف أو السرقة، ويخسر المزارع جزءاً من دخله السنوي.
قرى تواجه خطر فقدان المحصول
وتظهر آثار القيود الميدانية بوضوح في عدد من قرى رام الله ونابلس. ففي بلدة برقة شرق رام الله، أفادت معطيات محلية بتراجع حاد في الإنتاج نتيجة تعذر الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي، إذ تراجعت الكميات التي كانت تُجمع من نحو ألفي جالون إلى نحو 150 جالوناً، وفق تقديرات محلية، وسط صعوبات تطال الوصول إلى أكثر من ستة آلاف دونم.
وفي بلدة جماعين جنوب نابلس، يواجه المزارعون صعوبات في الوصول إلى نحو ثلاثة آلاف دونم في منطقة الجرعة، عقب إقامة بؤرة استعمارية في المنطقة. وتشكل هذه الأراضي مورداً مهماً للسكان، إذ يعتمد جزء من العائلات على محصول الزيتون في تأمين دخلها السنوي.
ولا تتوقف تبعات هذه القيود عند موسم واحد، إذ إن استمرار منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم أو العناية بأشجارهم قد يفاقم الأضرار في المواسم اللاحقة، ويهدد استدامة النشاط الزراعي في المناطق المستهدفة.
موسم يتجاوز القطاف إلى حماية الأرض
وتكشف المؤشرات الميدانية أن موسم الزيتون في فلسطين لم يعد مجرد نشاط زراعي موسمي، بل أصبح اختباراً لقدرة المزارعين على البقاء في أراضيهم ومواصلة استثمارها في ظل الاعتداءات والقيود المفروضة على الوصول إليها.
وبينما تعمل وزارة الزراعة وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان والهيئات المحلية على تنظيم القطاف وتوفير المساندة، تبقى حماية الموسم مرتبطة بقدرة المزارعين على الوصول إلى الحقول دون اعتداء أو منع، وبوجود إجراءات فعالة للحد من تخريب الأشجار وسرقة المحاصيل.
وفي ظل الخسائر المتراكمة، لا تقتصر المخاوف على محصول عام 2026، بل تمتد إلى مستقبل قطاع الزيتون نفسه، الذي يشكل ركيزة اقتصادية واجتماعية وجزءاً من ارتباط الفلسطينيين بأرضهم وتراثهم الزراعي.
[email protected]
أضف تعليق