المحامي علي أحمد حيدر
افتتح الشاعر محمود درويش كلمته التأبينية التي ألقاها في حفل تأبين المربي إبراهيم أبو لغد في رام الله بالكلمات التالية:
"كل موت هو موت أول. مفاجئ، صاعق، غير معروف وغير مألوف."
وهكذا جاء رحيل الصديق العزيز البروفيسور خالد أبو عصبة هذا اليوم؛ "موتٌ أول، مفاجئ، صاعق، غير معروف وغير مألوف"، إلا أن لهذا الموت طبقة أخرى من الحزن والأسى، ومدماكًا إضافيًا من لوعة الفراق والألم الإنساني العميق.
لقد تعرّفت على خالد أبو عصبة قبل أكثر من ربع قرن، أي ما يقارب نصف عمري، وخلال هذه السنوات لم تنقطع علاقتنا أبدًا، بل بقينا على تواصل دائم، جمعتنا المبادرات والمشاريع المشتركة، والزيارات العائلية، والمحادثات الهاتفية، والمؤتمرات وحلقات النقاش، والسفرات داخل البلاد وخارجها، والمشاركة في الأفراح والأتراح والمناسبات الوطنية، وقراءة النصوص ومناقشتها.
على المستوى الشخصي
كان أبو النعمان بمثابة أخ أكبر؛ مسؤولًا، ناصحًا، موجّهًا، مشجعًا ومحفزًا، ومحاورًا متميزًا يسأل الأسئلة الصحيحة ويصوغ الأفكار بدقة، مستعدًا دائمًا للإقناع والاقتناع. جمعنا الهمّ الجماعي والتفكير والعمل من أجل صالح المجتمع والإنسان، وقد تعلّمت منه ومن تجربته وحكمته الكثير.
على المستوى المجتمعي
أما على المستوى المجتمعي، فقد جمعتنا مبادرات ومؤسسات وجمعيات ومحطات عديدة مع إخوة مثقفين وناشطين وأصدقاء أعزاء آخرين، لكن أبا النعمان كان دائمًا صاحب دور مركزي وحضور مميز وإسهام غني ووجه بشوش. لقد كان مباشرًا في طروحاته، لا ينافق ولا يتصنّع ولا يتكلّف، ويقول رأيه بصراحة وشجاعة واستقامة واحترام، الشيء الذي جعله محبوبًا ومقدّرًا ومحترمًا من قبل قطاعات واسعة ومتنوعة.
كان أبو النعمان مخلصًا لشعبه ولهويته، وكان عطاؤه لا يُعد ولا يُحصى. فلا يكاد يوجد بلد عربي إلا وزاره محاضرًا ومشاركًا في المؤتمرات والندوات التي تناولت قضايا التربية والمجتمع والشباب وظواهر العنف والجريمة والفقر. وقد رعى أجيالًا عديدة من خلال عمله مربّيًا ومديرًا لمدرسة، ومحاضرًا في عدد من الكليات والمؤسسات الأكاديمية المرموقة، وباحثًا في مراكز أبحاث مهمة، ومتطوعًا، سواء رئيسًا أو عضوًا في هيئات إدارة العديد من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية والمشتركة. وكان يؤدي هذه الأدوار جميعها بروح العطاء والمسؤولية ودون مقابل.
ألّف أبو عصبة العديد من الكتب والدراسات والمقالات المهمة، لكن ما يميز كتاباته، إلى جانب رصانتها العلمية وقيمتها الفكرية، أنها انطلقت من واقع الناس ومشكلاتهم ومعاناتهم، وكانت موجهة إلى المجتمع، ومستندة إلى الثقافة العربية والإسلامية بوصفها مصدرًا معرفيًا أساسيًا. لذلك لم يشعر بالاغتراب لا عمّا يكتب، ولا عمّا ينشر، ولا عمّن يعيش بينهم ويكتب لأجلهم. ورغم معرفته العميقة بالنظريات الغربية وتمكنه منها، فإنه كان يدرك أنها لا تناسب بالضرورة واقع مجتمعنا، فسعى، شأن المؤصلين المجددين، إلى توظيف المعرفة النافعة والمفيدة وربطها بحاجات الناس وتحدياتهم.
وقد شرفني البروفيسور خالد بكتابة مقدمة كتابه المهم: "التربية والتعليم في المجتمع العربي: ما بين الواقع واستشراف المستقبل". ومما كتبت حينها:
"بروفيسور خالد أبو عصبة لا يجيب عن السؤال: كيف يمكن تقصير الدور أمام عيادة الطبيب؟ بل يسأل: لماذا يمرض الناس؟ وهذا سؤال في الجوهر والعمق يشعّ على مجالات مختلفة، حيث عمل أبو عصبة على الربط بين النظرية والتطبيق، وبين الفكر والممارسة، وعلى الوصل بين التراث والحداثة، من دون التهرب من النقد والمساءلة والمراجعة.
فكر أبو عصبة ومشروعه
إن فكر أبو عصبة ومشروعه يهدفان إلى بناء إنسان يسأل، ويفكر، وينتقد، ويبدع، ويختار، ويتحمل المسؤولية، ويتواصل، ويتحاور، وينتمي، ويلتزم، ويتجدد، كل ذلك في إطار مرجعية أخلاقية وقيمية متماسكة."
لن نستطيع أن نوفي البروفيسور خالد أبو عصبة حقه في هذا الحيّز الضيق، أو أن نعدد جميع مناقبه من استقامة وإخلاص وتواضع وشجاعة وعطاء ومثابرة وإرادة قوية وانحياز لقضايا الناس، والتواصل مع كافة شرائح المجتمع والعمل الميداني الحقيقي بعيدًا عن التقوقع في الأبراج العاجية.
رحل عنا أبو النعمان جسدًا، لكنه بقي روحًا حاضرة فينا وفي أعماله وأثره. وسيظل ميراثه الفكري والتربوي والإنساني منارة يستضيء بها أبناء مجتمعنا، وكل المؤمنين بقيم العدالة والكرامة والإنسانية.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
ورغم رحيل أبي النعمان، فإن عمله الخيّر وعلمه النافع سيبقيان حاضرين ومؤثرين، كما أن أبناءه الصالحين، سواء أبناؤه وأفراد أسرته أو تلاميذه الذين ربّاهم وأثر فيهم، سيواصلون الدعاء له وحمل رسالته. وهكذا يستمر أثره وعطاؤه بعد رحيله، ويبقى حاضرًا فينا بفكره وأعماله وسيرته الطيبة.
رحم الله أبا النعمان، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
[email protected]
أضف تعليق