في رثاء وتخليد الصديق والبروفيسور خالد أبو عصبة
د. حسام أبو بكر
مشروع تربوي وطني يتجاوز حدود الأكاديمية
لم يكن البروفيسور خالد أبو عصبة مجرد أكاديمي أو باحث تربوي عابر في المشهد الفلسطيني في الداخل، بل كان حالة فكرية ووطنية وتربوية متكاملة؛ رجلًا حمل همّ الإنسان العربي الفلسطيني، وآمن بأن التربية ليست مجرد وسيلة للتعليم، بل مشروع تحرر وبناء وكرامة جماعية.
رحل خالد، لكنه ترك وراءه أثرًا يصعب أن يغيب، لأن الرجال الذين يشبهونه لا يعيشون في المناصب والوظائف فحسب، بل في الأفكار التي زرعوها، وفي الأجيال التي آمنوا بها، وفي المساحات التي فتحوها للحلم والعمل والتأثير.
عرفت خالد عن قرب في محطات عديدة جمعتنا على مدار سنوات طويلة؛ في النقاشات الفكرية، والمبادرات المجتمعية، والمعارك الهادئة من أجل بناء مشروع تربوي عربي مستقل وفاعل. كان من أوائل الذين حملوا فكرة الاستقلال التربوي للمجتمع العربي في إسرائيل، ليس كشعار سياسي فحسب، بل كحاجة وجودية وثقافية ووطنية.
امتلك خالد رؤية عميقة ترى في التربية مشروعًا لبناء الإنسان الحر والناقد والواثق بهويته، والمنفتح في الوقت ذاته على العالم. لذلك لم يكن غريبًا أن يتحول إلى أحد أبرز القياديين التربويين العرب في البلاد، وأن يكون له حضور مؤثر في الأوساط الأكاديمية والمجتمعية وفي دوائر صناعة السياسات التعليمية.
بين البحث العلمي والعمل المجتمعي
في مسيرته الأكاديمية، قدّم أبحاثًا ودراسات مهمة تناولت قضايا التعليم والفجوات الاجتماعية والهوية والشباب العربي والمجتمع الفلسطيني في إسرائيل، وساهم في تطوير برامج ومبادرات هدفت إلى تمكين المجتمع العربي تربويًا ومجتمعيًا.
لكنّه، بالنسبة إليّ، كان أكبر من باحث وأستاذ جامعي؛ كان صاحب رسالة، وصاحب قدرة نادرة على الربط بين الفكر والعمل، وبين التحليل والمبادرة، وبين الحلم والإصرار.
جمعتنا سنوات من العمل المشترك في "مجموعة التصور المستقبلي"، التي حاولت رسم أفق فكري واستراتيجي لمستقبل الفلسطينيين في الداخل. وهناك أيضًا، كان خالد حاضرًا بعقله النقدي وهدوئه وإيمانه بقدرة مجتمعنا على بناء مشروع جماعي متماسك.
كما جمعتنا "مجموعة الحوار للمؤثرين العرب واليهود"، حيث كان يؤمن، رغم كل التعقيدات، بأن الحوار الحقيقي يجب أن يقوم على الكرامة والندية والاعتراف المتبادل، لا على التبعية أو التجميل السياسي. وكان يعرف كيف يتمسك بثوابته الوطنية والإنسانية، وفي الوقت نفسه يُبقي الباب مفتوحًا أمام التفكير المشترك بمستقبل أكثر عدلًا وإنسانية.
وفي المجلس التربوي العربي في إسرائيل، كان أحد الأصوات المركزية التي دفعت نحو بناء رؤية تربوية عربية مستقلة، تنطلق من احتياجات مجتمعنا وقيمه وهويته.
ولعل إحدى أبرز بصماته تمثلت في الحقل الأكاديمي، حيث لم يكتفِ بأن يكون باحثًا مرموقًا أو محاضرًا جامعيًا، بل تحول إلى مدرسة فكرية وإنسانية احتضنت أجيالًا كاملة من الباحثين والطلاب. فقد رافق مئات طلاب اللقب الأول وعشرات طلاب الماجستير والدكتوراه، وكان بالنسبة لكثيرين منهم أكثر من مشرف أكاديمي؛ كان مرشدًا وداعمًا وشريكًا في رحلة البحث عن المعرفة والمعنى.
كما شكّل حضوره في العمل المدني والمجتمعي امتدادًا طبيعيًا لفكره التربوي والوطني. ولم يكن من أولئك الأكاديميين الذين ينعزلون داخل أسوار الجامعات، بل كان حاضرًا في قضايا الناس وهموم المجتمع، مؤمنًا بأن المعرفة يجب أن تتحول إلى فعل وتأثير وتغيير.
ومن هذا المنطلق، لعب دورًا مركزيًا في قيادة مؤسسات وهيئات مدنية وتربوية عديدة، وكان لترؤسه لجنة قضايا التعليم العربي أهمية خاصة، حيث ساهم في صياغة رؤى وسياسات هدفت إلى النهوض بجهاز التعليم العربي والدفاع عن حقوق الطلاب العرب في تعليم عادل ومنصف ومرتبط بهويتهم واحتياجاتهم.
كما ترك بصمة واضحة من خلال مساهمته في جمعية سيكوي، التي شكّلت على مدار سنوات منصة مهمة للعمل من أجل المساواة المدنية والشراكة العادلة بين العرب واليهود في البلاد.
إرث إنساني وفكري باقٍ
لقد آمن خالد بأن التغيير الحقيقي يحتاج إلى تكامل بين العمل الأكاديمي والعمل المجتمعي والعمل المؤسساتي، ولذلك كان حضوره واسعًا ومؤثرًا في مختلف المبادرات المدنية والتربوية. وكان يحمل همّ المجتمع العربي أينما كان، ويسعى باستمرار إلى بناء مساحات للتأثير وتطوير قيادات شابة قادرة على حمل المشروع التربوي والمجتمعي إلى الأمام.
وربما هذا ما يجعل رحيله مؤلمًا إلى هذا الحد؛ لأننا لا نودّع شخصية أكاديمية مرموقة فحسب، بل نودّع إنسانًا كرّس حياته لبناء الناس والمؤسسات والأفكار، وترك وراءه إرثًا من الفكر والعمل والالتزام يصعب اختزاله بالكلمات.
أما على المستوى الشخصي، فقد كان خالد حاضرًا في محطات مفصلية من حياتي. ولا أنسى دعمه لإقامة القرية التعليمية "السنديانة"، وإيمانه بهذا المشروع منذ بداياته، وتشجيعه الدائم لنا على المضي قدمًا رغم الصعوبات. كما لا أنسى دعمه لي في رحلتي الأكاديمية حتى حصولي على الدكتوراه؛ كان يشجع ويوجّه ويمنح الثقة بهدوء الكبار الذين يعرفون كيف يزرعون الأمل في الآخرين.
كان خالد من أولئك الذين يتركون أثرًا دون ضجيج، ويصنعون التغيير دون ادعاء. رجل جمع بين التواضع والعمق، وبين الوطنية والانفتاح، وبين العقلانية والإيمان العميق بالناس.
برحيله، لا نخسر أكاديميًا ومفكرًا ومربيًا فحسب، بل نخسر جزءًا من ذاكرة المشروع التربوي الوطني الفلسطيني في الداخل. نخسر صوتًا عاقلًا، وشخصية آمنت بأن بناء المجتمع يبدأ من بناء الإنسان.
رحم الله الصديق العزيز البروفيسور خالد أبو عصبة.
ستبقى حاضرًا في الذاكرة، وفي الفكرة، وفي كل مشروع تربوي يسعى إلى منح أبناء هذا الوطن أفقًا أوسع، وكرامة أكبر، ومستقبلًا أكثر عدلًا.
المجد لذكراك الطيبة.
[email protected]
أضف تعليق