في ظل تفاقم الأزمة في مضيق هرمز، وتحوله إلى ما يشبه سجنًا بحريًا مفتوحًا لعشرات السفن وآلاف البحارة العالقين، تتصاعد المخاوف من أن يتحول أحد أهم ممرات الطاقة في العالم إلى ساحة مواجهة أوسع بين إيران والولايات المتحدة.
وتشير المعطيات إلى أن آلاف البحارة عالقون على متن سفن شحن وناقلات نفط منذ أسابيع، وسط مخاطر متزايدة تشمل الصواريخ، المسيّرات والألغام البحرية، إلى جانب نفاد تدريجي في الإمدادات الغذائية والطبية. كما تسببت الأزمة بارتفاع كبير في كلفة التأمين على السفن، وبمخاوف اقتصادية عالمية مرتبطة بتراجع مخزون النفط واضطراب حركة الشحن.
لعبة استراتيجية
وفي هذا السياق، قال د. كفير تشوبا، الخبير في نظرية الألعاب والمحاضر في الاقتصاد في الكلية الأكاديمية رمات غان، في تصريحات لموقع "بكرا"، إن الأزمة في مضيق هرمز لا يمكن فهمها فقط كصراع عسكري أو أمني، بل كلعبة استراتيجية معقدة بين أطراف تحاول اختبار حدود بعضها البعض.
وأوضح تشوبا أن ما يجري يشبه ما يُعرف في نظرية الألعاب بـ"لعبة الدجاجة"، حيث يتقدم طرفان نحو مواجهة مباشرة، ويحاول كل طرف أن يثبت أنه لن يتراجع أولًا. لكنه أشار إلى أن ما يحدث في هرمز يحمل طبقة أعمق من ذلك، إذ لا يدور السؤال فقط حول من سيتراجع أولًا، بل حول من سيحصل على الشرعية ليكون "حارس" المضيق.
وأضاف لـ"بكرا": "الولايات المتحدة تعرض تحركها على أنه استعادة لحرية الملاحة وإنقاذ للسفن والطواقم. في المقابل، تحاول إيران تصوير الولايات المتحدة كطرف معتدٍ. لذلك تتحول المعركة العسكرية إلى معركة على الشرعية".
حارس يفرض قواعد اللعبة
وأشار تشوبا إلى أن العالم يحتاج إلى جهة تضمن أمن ممر حيوي للطاقة مثل مضيق هرمز، لكنه في الوقت نفسه يخشى أن يتحول هذا "الحارس" إلى طرف يفرض قواعد اللعبة على الجميع. ووصف ذلك بأنه "معضلة الحارس"، حيث تكون الحاجة إلى الحماية واضحة، لكن الخوف من احتكار القوة لا يقل وضوحًا.
وبحسب تشوبا، فإن الولايات المتحدة تمتلك أصلًا تفوقًا عسكريًا واضحًا في المنطقة، لكن ما ينقصها هو الشرعية السياسية لاستخدام هذه القوة بشكل واسع. وقال إن أي استهداف مباشر لسفن أمريكية من قبل إيران قد يمنح واشنطن ما تحتاجه بالضبط، أي مبررًا كاملًا للتصعيد ولتقديم نفسها كحارس شرعي للمضيق.
وتابع: "إذا ضربت إيران سفنًا أمريكية بشكل مباشر، فقد تمنح الولايات المتحدة الشرعية التي تبحث عنها. عندها لن تكون المسألة فقط ردًا عسكريًا، بل إعادة صياغة لقواعد السيطرة على المضيق".
وشبّه تشوبا الأزمة الحالية بأزمة الصواريخ الكوبية، موضحًا أن العامل الحاسم في مثل هذه الأزمات لا يكون دائمًا حجم القوة العسكرية، بل القدرة على كسب الشرعية أمام المجتمع الدولي. وقال إن الطرف الذي يكسب معركة الشرعية يحصل على هامش أوسع للتحرك، وقوة أكبر، وقدرة أوضح على تحديد شروط إنهاء الأزمة.
وختم تشوبا حديثه لـ"بكرا" بالتأكيد أن مضيق هرمز بات اليوم أكثر من ممر بحري لنقل النفط، بل ساحة اختبار لمن يملك القوة، ومن يملك الشرعية، ومن يستطيع إقناع العالم بأنه لا يصعّد الأزمة بل يديرها.
[email protected]
أضف تعليق