قال الشيخ كمال ريان، المختص بشؤون القدس، في تصريحات لموقع "بكرا" إن مواصلة الشرطة اغلاق المسجد الاقصى لليوم التاسع على التوالي، بذريعة الحفاظ على التدابير الامنية، لا يمكن التعامل معها كخطوة مؤقتة أو اجراء تنظيمي عابر، بل كمس مباشر باسس الوضع التاريخي والقانوني الذي حكم علاقة المقدسات في القدس ببعضها بعضا على مدار عقود طويلة.
ليس فقط مكان للصلاة
واوضح ريان أن المسجد الاقصى لم يكن عبر التاريخ مجرد مكان للصلاة، بل شكل ركنا مركزيا في منظومة "الستاتيكو" التي نظمت ادارة المقدسات الاسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة، مضيفا أن هذا النظام التاريخي قام على قاعدة واضحة تعتبر الاقصى مكان عبادة خالصا للمسلمين، تديره الاوقاف الاسلامية تحت الوصاية الهاشمية، بالتوازي مع صيانة الحقوق الدينية والتاريخية للمقدسات المسيحية.
وأضاف في حديثه لـ "بكرا" أن منع المسلمين من الوصول الى المسجد الاقصى أو تقييد دخولهم اليه لا يمس فقط بحرية العبادة، بل يطرح سؤالا اخطر يتعلق بالجهة التي تملك قرار فتح المسجد واغلاقه، ومن يملك صلاحية التحكم بشؤونه الدينية والادارية. وشدد على أن التاريخ والاتفاقيات الاقليمية والدولية تحسم هذه المسألة بوضوح، إذ إن ادارة المسجد وتنظيم شؤونه هي من صلاحيات الاوقاف الاسلامية التابعة للوصاية الهاشمية، وأي تجاوز لذلك يعني عمليا تقويض هذه الوصاية والانتقاص من دورها التاريخي المستمر منذ عام 1924.
وقائع ثابتة
وقال ريان إن خطورة ما يجري لا تكمن فقط في تقييد حق المسلمين في الصلاة، بل في كونه جزءا من مسار متدرج طالما استخدم لتحويل الاجراءات المؤقتة الى وقائع ثابتة. ولفت الى أن التغييرات في الاقصى لم تحدث تاريخيا دفعة واحدة، بل بدأت في كل مرة بخطوات محدودة تحت عناوين امنية، قبل أن تتحول تدريجيا الى ترتيبات جديدة تفرض واقعا مختلفا داخل المسجد.
وأشار إلى أن المسجد الاقصى اغلق منذ عام 1967 خمس مرات بقرار من اسرائيل، معتبرا أن هذا المعطى يكشف خطورة المرحلة الحالية، لأن اغلاق المسجد لليوم الثامن لا يأتي في فراغ، بل ضمن سياق متراكم من الاجراءات التي تستهدف اعادة تشكيل الواقع القائم فيه، وتقليص الحضور الاسلامي داخله، وفتح المجال امام ترتيبات جديدة تمس بهويته الدينية والتاريخية.
وأكد ريان لـ "بكرا" أن المساس بالمسجد الاقصى لا يقف عند حدود المقدسات الاسلامية وحدها، بل يهدد المنظومة الكاملة التي حمت مقدسات القدس كلها، بما فيها المقدسات المسيحية. وقال إن الكنائس والاديرة والاوقاف المسيحية ظلت طوال التاريخ محمية ضمن الاطار نفسه الذي وفر الحماية للمسجد الاقصى، ولذلك فإن اي خرق لهذا النظام في الاقصى يشكل سابقة خطيرة قد تمتد آثارها الى بقية المقدسات في المدينة.
ليس قضية اسلامية فقط
وأضاف أن الدفاع عن المسجد الاقصى ليس قضية اسلامية فحسب، بل هو دفاع عن التوازن التاريخي والديني والقانوني الذي حافظ على هوية القدس وعلى طبيعة مقدساتها عبر القرون. وحذر من أن استمرار اغلاق المسجد ومنع المصلين من الوصول اليه من دون موقف واضح من اصحاب المسؤولية السياسية والدينية، وفي مقدمتهم الوصاية الهاشمية والمجتمع الدولي والمرجعيات الدينية في المدينة، قد يحول ما يجري اليوم في الاقصى الى نموذج يفرض لاحقا على بقية مقدسات القدس.
وختم الشيخ كمال ريان حديثه لـ "بكرا" بالتأكيد على أن القدس لا تحفظ بمنطق القوة، بل باحترام الشرعية التاريخية والقانونية التي صانت مقدساتها عبر العصور، وأن المساس بهذا النظام في المسجد الاقصى لا يهدد الاقصى وحده، بل يفتح الباب امام تصدع منظومة الحماية التي قامت عليها المقدسات الاسلامية والمسيحية في المدينة كلها.
[email protected]
أضف تعليق