لم تكن انتخابات الكنيست السادسة والعشرين مجرد محطة انتخابية عابرة، ولم تكن المشاركة العربية التي بلغت نحو 80% مجرد انتصار حزبي. لقد كانت تعبيرًا سياسيًا استثنائيًا عن غضب تراكم لسنوات، ورسالة من مجتمع شعر أن حقوقه ومستقبله باتا على المحك.
لم يخرج المواطن العربي هذه المرة ليختار ممثليه فحسب، بل ليقول إن صمته لم يكن يومًا قبولًا بالواقع.
حين أصبح صندوق الاقتراع مساحة للاحتجاج
منذ اندلاع حرب غزة في تشرين الأول 2023، عاش المواطنون العرب في إسرائيل أجواء مشحونة، امتزج فيها الغضب بالخوف، والاحتجاج بالصمت.
ففي ظل الاعتقالات والتحقيقات المرتبطة بمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، والقيود التي طالت مظاهرات احتجاجية، ساد شعور بأن مجرد التعبير عن الرأي قد يحمل ثمنًا شخصيًا باهظًا.
وباتت تغريدة أو مشاركة في احتجاج محدود مصدر قلق لدى كثيرين، فيما عمّق استمرار هدم المنازل، وتصاعد الخطاب العنصري، والسياسات التي يراها المواطنون تهديدًا لهويتهم ووجودهم، حالة الاحتقان الداخلي.
وحين جاءت الانتخابات، وجد كثيرون في صندوق الاقتراع مساحة متاحة لإعلان موقفهم.
تحوّلت ورقة التصويت إلى ورقة غضب سياسي، ورسالة احتجاج على سياسات نتنياهو وبن غفير وشركائهما.
خرج المؤيد للأحزاب العربية والمنتقد لها، والمنتمي والمستقل، وحتى من قاطع الانتخابات لعقود. لم تكن المشاركة تأييدًا مطلقًا للأحزاب، بل إدراكًا بأن الخلاف معها لا يعني التنازل عن الحق في التأثير.
الشباب العربي… وعي خالف التوقعات
كان الحضور اللافت للشباب أحد أهم مشاهد الانتخابات، خصوصًا ذلك الجيل الذي صوّره البعض بعيدًا عن السياسة وفاقدًا للاهتمام بالشأن العام.
لقد قدّم الشباب صورة مختلفة؛ فانتقاد الأحزاب ليس جهلًا سياسيًا، ورفض الخطابات التقليدية لا يعني غياب الانتماء.
وفي تقديري، استطاعت القائمة المشتركة استقطاب شريحة واسعة من الشباب، وإن كان تحديد حجم هذا التأييد يحتاج إلى بيانات انتخابية مفصلة بحسب الأعمار.
وفي المقابل، حملت صور كبار السن دلالة إنسانية مؤثرة؛ فمن تجاوز التسعين وأصر على التصويت، أو احتاج إلى مساعدة أحفاده للوصول إلى الصندوق، لم يكن يبحث عن مستقبله الشخصي وحده.
لقد صوّت الجد لمستقبل أحفاده، فيما صوّت الشاب للمستقبل الذي يريد أن يعيش فيه.
المشتركة… قوة سياسية بشروط واضحة
حصلت القائمة المشتركة على 11 مقعدًا، فيما حصلت الموحدة على 8 مقاعد، ليبلغ مجموع التمثيل العربي 19 مقعدًا، ونحو 830 ألف صوت للقائمتين.
برزت المشتركة بوصفها إطارًا سياسيًا جمع تيارات مختلفة، وطرح مشروعًا يربط بين الحقوق المدنية والقومية، ومناهضة العنصرية، والعمل البرلماني لتغيير السياسات الحكومية.
وتكمن أهمية نهجها في أنها لم تجعل الدخول إلى الحكومة شرطًا للتأثير، بل طرحت إمكانية توفير شبكة أمان برلمانية لحكومة بديلة، امتدادًا لتجربة الكتلة المانعة في عهد إسحاق رابين.
لكن شبكة الأمان التي تحدثت عنها المشتركة ليست دعمًا بأي ثمن، وليست شيكًا مفتوحًا يمنح لأي حكومة لمجرد أنها لا تحمل اسم نتنياهو.
فأي تعاون سياسي يجب أن يرتبط بمطالب واضحة، تتعلق بمكافحة الجريمة، ووقف هدم المنازل، والمساواة في الحقوق والموارد، إلى جانب المواقف السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
أما الموحدة بقيادة منصور عباس، فقد حققت هدفها الانتخابي بالوصول إلى ثمانية مقاعد، لكنها تواجه سؤالًا بشأن مستقبل مشروع التأثير من داخل الائتلاف إذا استمر رفض الأحزاب الإسرائيلية إشراكها في الحكومة.
والامتحان أمام القائمتين هو تحويل الثقة الشعبية إلى إنجازات ملموسة، كلٌّ وفق نهجه السياسي.
النواب العرب ليسوا أعداءً… بل ممثلون منتخبون
أفرزت الانتخابات معادلة لم يعد ممكنًا تجاهلها: 53 مقعدًا لمعسكر نتنياهو، و48 لمعسكر التغيير، و19 مقعدًا عربيًا قد تكون حاسمة في تحديد مستقبل الحكم.
وهنا يجب التوقف أمام حقيقة أساسية.
المواطنون العرب وممثلوهم في الكنيست ليسوا أعداءً يجب إقصاؤهم من العملية السياسية، بل مواطنون منتخبون يريدون التأثير في السياسات التي تحدد حياتهم ومستقبل أبنائهم.
من حق الأحزاب الإسرائيلية الاختلاف مع الأحزاب العربية في مواقفها السياسية، لكن الاختلاف شيء، واستبعادها مسبقًا لمجرد هويتها القومية شيء آخر.
ولعل الاتهامات التي ظهرت في بعض أوساط اليمين بشأن التزوير والتدخل الأجنبي، رغم عدم ثبوت وجود تزوير بتاتا، تعكس جانبًا من صعوبة استيعاب النتائج.
فالديمقراطية لا تُقاس بمدى رضا السلطة عن نتائج الانتخابات، وإنما باحترام إرادة الناخبين، حتى عندما تغيّر تلك النتائج حسابات الحكم.
آيزنكوت أمام الفرصة… أم أمام مصير غانتس؟
يواجه غادي آيزنكوت اليوم امتحانًا سياسيًا حقيقيًا. فقد أتاحت نتائج الانتخابات إمكانات حسابية لتشكيل حكومة بديلة بدعم الأحزاب العربية، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى اتفاقات فعلية يتطلب قرارات سياسية صعبة.
العرب وحدهم لا يستطيعون تشكيل الحكومة، لكن معسكر التغيير، بتركيبته الحالية، لا يستطيع بلوغ الأغلبية البرلمانية من دونهم أو من دون إعادة ترتيب تحالفاته.
وإذا اعترض ليبرمان أو بينيت على التعاون مع الأحزاب العربية، فإن خريطة المقاعد تسمح نظريًا ببحث تفاهمات مختلفة، ربما تشمل شاس ويهدوت هتوراه.
فالجمع بين مقاعد حزب آيزنكوت والديمقراطيين والقائمتين العربيتين والحزبين الحريديين يصل حسابيًا إلى 61 مقعدًا.
صحيح أن الخلافات حول التجنيد والدين والدولة والشراكة السياسية تجعل هذا السيناريو معقدًا للغاية، لكنه يوضح وجود خيارات تستحق البحث.
أما خيار حكومة الوحدة الوطنية مع نتنياهو، فيستحضر تجربة بيني غانتس، وما ترتب عليها من تداعيات سياسية.
وفي تقديري، فإن ذهاب آيزنكوت إلى حكومة يقودها نتنياهو قد يعرّضه لفقدان هويته السياسية، ويحوّله في نظر ناخبيه إلى نسخة ثانية من غانتس، بدلًا من أن يكون البديل الذي وعدهم به.
وقد أعلن آيزنكوت رفضه الجلوس في حكومة برئاسة نتنياهو، لكن الامتحان سيكون في قدرته على المحافظة على هذا الموقف وسط تعقيدات المفاوضات.
فهل يمتلك آيزنكوت الشجاعة السياسية لاختبار معادلة جديدة، أم يترك الخلافات المسبقة تغلق نافذة التغيير التي فتحتها صناديق الاقتراع؟
أخيرًا… فرصة لا ينبغي أن تضيع
لقد انتهت الانتخابات، لكن المسؤولية السياسية بدأت الآن.
فالمواطنون الذين خرجوا بهذه الأعداد لم يبحثوا عن خطابات النصر، بل عن الأمان والمساواة والسكن والتعليم ومستقبل أكثر عدلًا لأبنائهم.
وأمام الأحزاب العربية مسؤولية ترجمة قوتها البرلمانية إلى تأثير فعلي، وأمام معسكر التغيير فرصة لاختبار إمكانية بناء تفاهمات سياسية مختلفة.
لقد صوّت العرب دفاعًا عن أنفسهم، لكن نتائج تصويتهم وضعت السياسة الإسرائيلية بأكملها أمام امتحان جديد.
وقد لا تنجح محاولات تشكيل حكومة بديلة، لكن فشلها، إن حدث، يستوجب الإجابة عن سؤال أساسي: هل كانت المشكلة فعلًا في غياب الأغلبية، أم في عدم الاستعداد للاعتراف بكل الأطراف القادرة على صنعها؟
فالانتخابات منحت المجتمع العربي 19 مقعدًا، أما التحدي الآن فهو ألّا تضيع فرصة التأثير التي منحتها هذه المقاعد.
فادي زعبي
[email protected]
أضف تعليق