في مشهد معماري يبدو وكأنه خرج من عالم الخيال، تختبئ المنازل الحجرية في قرية مونسانتو البرتغالية بين الصخور العملاقة وتحتها، في تناغم فريد بين الطبيعة والعمارة، جعل من هذه القرية واحدة من أكثر الوجهات السياحية تميزًا في أوروبا.
تقع مونسانتو على قمة تل في شرق البرتغال، ضمن بلدية إدانيا-آ نوفا في مقاطعة كاستيلو برانكو، بالقرب من الحدود الإسبانية. وتتميز بإطلالاتها الواسعة على التلال والأرياف المحيطة، فيما تشكل أزقتها الضيقة ومبانيها الحجرية وأسوار قلعتها التاريخية أبرز عناصر الجذب للزوار.
قرية بُنيت بين الصخور العملاقة
تعود أصول مونسانتو إلى العصور الوسطى، وقد اكتسبت أهمية استراتيجية بفضل موقعها القريب من الحدود الإسبانية. وتشتهر بمنازلها الحجرية الصغيرة التي شُيّدت بين الصخور الضخمة وفوقها وتحتها، بعدما وجد السكان الأوائل أن نقل هذه الكتل الصخرية الهائلة أمر شبه مستحيل، فاختاروا دمجها في تصميم منازلهم.
ولا تزال هذه المباني قائمة حتى اليوم، لتقدم نموذجًا معماريًا نادرًا تتداخل فيه المنازل مع التكوينات الطبيعية، وكأن الصخور أصبحت جزءًا من جدرانها وأسقفها.
وفي عام 1938، حصلت مونسانتو على لقب «القرية الأكثر برتغالية في البرتغال»، ضمن مسابقة نظمتها الحكومة البرتغالية. كما اختيرت أحد مواقع تصوير الموسم الأول من مسلسل «هاوس أوف ذا دراغون».
قلعة مونسانتو.. تاريخ وإطلالات بانورامية
تُعد قلعة مونسانتو من أبرز المعالم التاريخية في القرية، إذ تقع على أعلى نقطة في التل، وتوفر إطلالات بانورامية على المنازل الحجرية والمناطق الريفية المحيطة، وصولًا إلى الأراضي الإسبانية المجاورة.
شُيّدت القلعة عام 1171، بعد أن منح الملك أفونسو الأول ميثاقًا للقرية، ثم انتقلت عام 1172 إلى رهبنة سانتياغو العسكرية التي تولت إدارة المنطقة والدفاع عنها.
وتضم القلعة بقايا مبانٍ تعود إلى القرن الثالث عشر، إلى جانب أجزاء أعيد بناؤها خلال القرن الرابع عشر. ويمكن للزوار الوصول إليها عبر ممرات وأبواب تاريخية، ثم صعود السلالم الحجرية شديدة الانحدار للوصول إلى الأسوار.
وتوفر الأسوار مشاهد استثنائية للمنطقة، لكن التجول فيها يتطلب الحذر، خصوصًا أنها تفتقر إلى الحواجز الواقية وقد تشهد هبوب رياح قوية. وتتميز القلعة أيضًا بإمكانية زيارتها مجانًا دون الحاجة إلى شراء تذاكر.
مسار الصخور العملاقة.. رحلة بين الطبيعة والتاريخ
للمهتمين بالمشي واستكشاف الطبيعة، يقدم مسار الصخور العملاقة، المعروف باسم «PR5 Rota dos Barrocais»، تجربة مميزة تبدأ من مكتب الاستعلامات السياحية في القرية.
ويمتد المسار لمسافة تقارب 4.5 كيلومتر، ويأخذ الزوار في جولة حول مونسانتو، مرورًا بتكوينات صخرية ومعالم تاريخية، وصولًا إلى قمة التل حيث تقع القلعة.
ويستطيع الزوار الاستدلال على الطريق من خلال العلامات الحمراء والصفراء المرسومة على اللوحات والصخور والأشجار، فيما تشير العلامتان المتقاطعتان على شكل حرف «X» إلى أن المسار المتبع غير صحيح.
ويفضل بعض الزوار الاكتفاء بالجزء الذي يمر بكنيسة ساو ميغيل وصولًا إلى القلعة، للاستمتاع بالمشاهد الطبيعية والإطلالات الواسعة التي تمتد حتى الأراضي الإسبانية.
أزقة تاريخية ومغارة بين صخرتين
لا تقتصر جاذبية مونسانتو على قلعتها ومنازلها الحجرية، بل تمتد إلى أزقتها الضيقة التي تكشف عن تفاصيل الحياة القديمة في القرية.
ومن أبرز محطاتها نقطة مشاهدة «ميرادورو»، التي توفر إطلالة خلابة على أسطح المنازل والأرياف المحيطة، ويمكن الوصول إليها بسهولة باتباع اللافتات الإرشادية.
وبالقرب منها تقع مغارة تُعرف باسم «غروتا»، تشكلت في الفراغ الطبيعي بين صخرتين عملاقتين. وتشير الروايات إلى أنها استُخدمت للسكن في مرحلة سابقة، كما اشتهرت لاحقًا باعتبارها مكانًا منعزلًا، وتمنح الزوار لمحة عن أساليب السكن الأولى في القرية، حين استغل السكان الفراغات الطبيعية بين الصخور لإقامة مساكن بسيطة.
برج لوكانو.. رمز القرية وإطلالة لا تُنسى
من المعالم التي تستحق الزيارة أيضًا برج لوكانو، المعروف باسم برج الساعة، والذي يثير تاريخ بنائه بعض الجدل؛ إذ تشير مصادر إلى أنه يعود إلى القرن الخامس عشر، فيما ترجح أخرى تشييده في القرن الثامن عشر.
وتتوج قمة البرج نسخة من الديك الفضي، رمز الجائزة التي حصلت عليها مونسانتو عام 1938 عندما اختيرت القرية الأكثر برتغالية في البلاد.
ورغم أن البرج نفسه غير مفتوح أمام الزوار، فإن الصخور المحيطة بقاعدته تتيح الوصول إلى نقطة مرتفعة توفر مشهدًا بانوراميًا مميزًا للمنازل المتراصة بين الصخور العملاقة.
وتجمع مونسانتو بين الطبيعة والتاريخ والعمارة غير التقليدية، لتقدم تجربة سياحية مختلفة، حيث تتحول الصخور التي قد تشكل عائقًا أمام البناء إلى عنصر أساسي يمنح القرية هويتها الفريدة.
[email protected]
أضف تعليق