بقلم رانية مرجية
ثمة أشخاص لا تكفي اللغة لاحتوائهم، ولا تستطيع الكلمات، مهما بلغت من البلاغة، أن تختصر حضورهم في حياتنا. أشخاص يشبهون النور حين يتسلّل إلى العتمة، ويشبهون الصلاة حين ترتفع من قلبٍ موجوع، ويشبهون يد الله حين تمتدّ إلينا عبر إنسانٍ يمنحنا الحنان دون أن يسألنا عمّا أثقل أرواحنا.
هؤلاء لا يمرّون في الحياة مرورًا عابرًا، بل يتركون فيها شيئًا من السماء. وحين يرحلون، لا يكون الغياب مجرّد فراغٍ في المكان، بل انكسارًا صغيرًا في إيقاع الحياة، ووجعًا عميقًا في قلوب الذين عرفوا أن وجودهم كان نعمة.
هكذا كانت فريدة وهاب ضبيط.
رحلت فريدة منذ يومين، وغادر جسدها هذا العالم، لكنّ الروح التي عاشت بالمحبة لا تُختصر برحيل، والسيرة التي كُتبت بالإيمان لا تمحوها يد الموت. فثمة أشخاص يتركون خلفهم ما هو أبقى من الصور، وأعمق من الذكريات، وأصدق من الكلمات: يتركون أثرًا حيًّا في ضمائر الناس، ودفئًا يستقرّ في القلب، وشهادةً إنسانيةً على أن الخير ما زال ممكنًا، وأن المحبة ليست مجرّد كلمة جميلة، بل طريقة حياة.
كانت فريدة امرأةً مؤمنة، وأمًّا فاضلة، ووجهًا حنونًا، وقلبًا اتّسع للجميع. لم تكن المحبة عندها شعارًا يُرفع، بل سلوكًا يُعاش؛ ولم يكن الإيمان زينةً للكلام، بل قوّةً داخليةً تُترجم في الصبر، وفي الثبات، وفي القدرة على مواجهة الحياة بقلبٍ لا يفقد ثقته بالله.
كانت من أولئك النساء اللواتي يحملن في أرواحهنّ سرًّا جميلًا: كيف يستطعن، رغم أثقال الحياة، أن يبقين مصدرًا للطمأنينة؟ كيف يحتفظن بقدرتهنّ على العطاء، فيما يخبّئن في أعماقهنّ ما لا يعرفه الآخرون من تعبٍ ووجع؟ وكيف يواصلن منح الحبّ، كأنّ قلوبهنّ خُلقت لتكون ملجأً لكلّ قلبٍ أتعبته الأيام؟
في فريدة، أحببتُ ذلك الصبر الذي لا يصرخ، والإيمان الذي لا يحتاج إلى استعراض، والمحبة التي لا تساوم، والحنان الذي لا يطلب اعترافًا بفضله.
أحببتُ فيها قوّة الروح التي لا تعني أن الإنسان لا يتألّم، بل أن الألم لا ينتزع منه إنسانيته؛ وأن الإيمان الحقيقي لا يمنع العاصفة من الهبوب، لكنه يمنح القلب مرساةً كي لا تقتلع العاصفة رجاءه.
وأحببتُ فيها تلك المحبة الصادقة التي لا تعرف الحسابات، ولا تقيس العطاء بما يعود عليها، ولا تسأل مَن يستحقّ قبل أن تفتح أبواب القلب. كانت المحبة عندها أقرب إلى الوصية التي أوصانا بها المسيح، حين جعل الحبّ جوهر الإيمان، ودعانا إلى أن نرى الإنسان بعين الرحمة، وأن نكون لبعضنا بعضًا عزاءً في زمن القسوة، ونورًا في زمن الانطفاء.
بعض الناس لا يحدّثوننا عن الله كثيرًا، لكنّهم يجعلوننا نشعر بقربه.
وهذه، في جوهرها، واحدة من أعمق صور الشهادة المسيحية: أن يصبح الإنسان، من خلال حياته، نافذةً صغيرةً يطلّ منها الآخرون على معنى الرحمة، وأن تحمل أفعاله شيئًا من محبة المسيح، وأن يكون حضوره سببًا في ترميم ما أفسدته الحياة في نفوس الآخرين.
لقد علّمتنا فريدة، بحضورها وسيرتها، أن القداسة ليست دائمًا حدثًا استثنائيًّا بعيدًا عن تفاصيل الحياة اليومية؛ فقد تكون في أمٍّ تمنح أبناءها من قلبها، وفي امرأةٍ تواسي المتعب، وفي إنسانةٍ تستقبل الجميع بوجهٍ حنون، وفي روحٍ تختار المحبة حين يكون الجفاء أسهل، والصبر حين يصبح التعب ثقيلًا، والإيمان حين تضيق أمامها مسالك الرجاء.
هكذا يُصنع الأثر الحقيقي: لا بضجيج الحضور، بل بصدق العطاء؛ لا بكثرة الكلام، بل بعمق المحبة؛ لا بما يجمعه الإنسان لنفسه، بل بما يتركه في الآخرين من خيرٍ لا يموت.
ولعلّ أكثر ما يوجعنا في رحيل إنسانةٍ مثل فريدة ليس أننا فقدنا حضورها فحسب، بل أننا ندرك، بعد غيابها، كم كان ذلك الحضور نعمةً تستحقّ أن نتأمّلها طويلًا. كم من وجهٍ حنونٍ مررنا به من دون أن نعرف أنّه كان يخفّف عنّا شيئًا من قسوة العالم؟ وكم من قلبٍ صادقٍ منحنا الطمأنينة من دون أن يطلب منّا شيئًا في المقابل؟
إنّ الفقد يكشف لنا، بقسوته، قيمة الذين أحببناهم. يجعلنا نعيد قراءة تفاصيلهم الصغيرة، ونكتشف أنّ ما حسبناه عاديًّا كان في الحقيقة استثنائيًّا: نبرة صوت، ابتسامة، كلمة طيّبة، دعاء صامت، أو مجرّد وجودٍ يجعلنا نشعر بأنّ الدنيا ما زالت بخير.
واليوم، ونحن نرثي فريدة وهاب ضبيط، لا نرثي امرأةً رحلت فحسب؛ نحن نقف أمام سيرةٍ تستحقّ أن تُقرأ بوصفها درسًا في الإيمان، وشهادةً في الأمومة، وحكايةً عن المحبة التي تمنح الحياة معناها الأعمق.
لكن كيف نكتب عن الموت، ونحن نؤمن بالمسيح الذي جعل من القبر معبرًا إلى القيامة، ومن الصليب طريقًا إلى الرجاء، ومن الدموع لغةً لا تخجل منها القلوب المحبّة؟
إنّ الإيمان المسيحي لا يطلب منّا أن نتظاهر بالقوة أمام الفقد، ولا أن نكتم دموعنا كي نثبت إيماننا. لقد بكى المسيح عند قبر لعازر، وفي دموعه نتعلّم أنّ الحزن ليس نقيض الإيمان، وأنّ المحبة حين تفقد من تحبّ تتألّم، وأنّ الدموع لا تُضعف الرجاء، بل قد تصبح صلاةً صامتةً حين تعجز الشفاه عن الكلام.
نحن نحزن لأنّ فريدة كانت عزيزة، ونبكي لأنّ حضورها كان جزءًا من دفء الحياة، ونشتاق لأنّ المحبة لا تنتهي عند حدود الجسد. لكنّنا، في عمق هذا الحزن، نتمسّك بالوعد الذي أعطانا إيّاه المسيح: «أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا».
ليست هذه الكلمات عزاءً عابرًا نردّده كي نخفّف وطأة الفاجعة، بل هي أساس الرجاء الذي نتشبّث به حين يقف الموت أمامنا بكلّ ما فيه من غموضٍ ووجع. نحن لا نعرف أسرار الله كاملةً، ولا نملك تفسيرًا لكلّ رحيل، لكنّنا نؤمن برحمته، ونسلّم إليه الذين أحببناهم، واثقين بأنّ محبته أوسع من فهمنا، وأنّ سلامه أعمق من قدرتنا على الاحتمال.
يا فريدة، لا أعرف إن كانت الكلمات تستطيع أن تواسي الذين يفتقدونكِ، ولا إن كان الرثاء قادرًا على ملامسة حجم الفراغ الذي تركه رحيلكِ. لكنّني أعرف أنّ الأرواح التي عاشت بالحبّ لا تختفي آثارها، وأنّ القلوب التي منحت الآخرين شيئًا من النور تظلّ حاضرةً في كلّ خيرٍ زرعته، وفي كلّ إنسانٍ تعلّم منها كيف يحبّ بصدق.
لعلّ أجمل وفاءٍ لكِ ألّا نكتفي بالبكاء عليكِ، بل أن نحمل شيئًا من روحكِ في حياتنا؛ أن نتعلّم من صبركِ ألّا نستسلم، ومن إيمانكِ ألّا نفقد الرجاء، ومن محبتكِ ألّا نبخل بالحنان، ومن أمومتكِ أن العطاء الحقيقي لا ينتظر التصفيق، ومن وجهكِ الحنون أن اللطف ليس ضعفًا، بل قوّةٌ أخلاقيةٌ نادرة في عالمٍ يزداد احتياجًا إلى الرحمة.
فالحياة التي تُعاش بالمحبة لا تنتهي بانتهاء أصحابها؛ إنّها تستمرّ في الذين تأثّروا بها، وفي الذين يحملون رسالتها، وفي كلّ بذرة خيرٍ أنبتتها روحٌ صادقة في أرض هذا العالم.
وإلى عائلتكِ وأحبّائكِ، لا أملك أمام وجع الفراق سوى الصلاة. أن يمنحكم الربّ يسوع تعزية الروح القدس، وأن يحيطكم بحضوره حين يصبح البيت أكثر صمتًا، وحين تبحث العيون عن وجهٍ اعتادت رؤيته، وحين يثقل الاشتياق في ساعات الليل. وأن يهبكم القوّة لتعيشوا الحزن دون أن يفقدكم الرجاء، وأن يجعل ذكراها مصدر امتنانٍ وسط الدموع، لا جرحًا مفتوحًا فحسب.
فليس سهلًا أن نودّع أمًّا فاضلة، ولا امرأةً جعلت من حنانها مساحة أمان، ولا إنسانةً أحبّت الجميع وتركت في النفوس ما يصعب اختصاره في كلمات. لكنّنا نؤمن أنّ الربّ الذي رافقها في أيامها، وعرف صبرها وصلواتها وأوجاعها، هو نفسه الذي نستودعه روحها اليوم، ونسأله أن يمنحها الراحة الأبدية والنور الذي لا يغيب.
فريدة وهاب ضبيط…
سلامٌ على روحكِ التي أحبّت.
سلامٌ على إيمانكِ الذي لم يكن مجرّد كلمات، بل حياةً وموقفًا وصبرًا.
سلامٌ على قلبكِ الذي اتّسع للجميع، وعلى أمومتكِ التي حملت معنى التضحية، وعلى وجهكِ الحنون الذي ترك في الذاكرة ملامح المحبة الصافية.
سلامٌ على كلّ لحظةٍ منحتِ فيها أحدًا شعورًا بأنّه ليس وحده، وعلى كلّ كلمةٍ خفّفتِ بها وجعًا، وعلى كلّ أثرٍ طيّبٍ تركتِه في طريقكِ.
لستِ مجرّد اسمٍ في سجلّ الراحلين، بل حكاية إيمانٍ ومحبة، وسيرة امرأةٍ عاشت بين الناس بقلبٍ قريبٍ من السماء.
رحلتِ عن أعيننا، لكنّ ما زرعتِه لا يزال هنا. وسيظلّ اسمكِ مقرونًا بالحنان، وذكراكِ بالدعاء، وسيرتكِ بذلك الجمال الهادئ الذي لا يحتاج إلى ضجيجٍ كي يُرى.
نمّي بسلامٍ في حضن الآب السماوي، يا فريدة، ولتكن قيامة المسيح رجاءنا في لقائكِ، ولتشرق عليكِ أنوار وجه الربّ إلى الأبد.
ففي الإيمان، لا يكون الوداع نهاية المحبة، بل تسليمًا لمن هو أرحم منّا جميعًا. وفي الرجاء المسيحي، لا نقول إنّ الموت لم يوجعنا، بل نقول إنّه لن تكون له الكلمة الأخيرة.
إلى أن يأتي اللقاء في حضرة الله، ستبقين في ذاكرة من أحبّوكِ، وفي الصلاة التي ترفع اسمكِ، وفي كلّ قلبٍ تعلّم من سيرتكِ أنّ الإيمان قوّة، وأنّ الحنان رسالة، وأنّ المحبة الصادقة هي الأثر الذي لا يستطيع الموت أن يمحوه.
المسيح ينيح نفسكِ في مساكن النور والنعيم، ويمنح عائلتكِ وأحبّاءكِ تعزيةً سماويةً وسلامًا يفوق كلّ عقل.
ولأنّكِ عشتِ بالمحبة، ستبقى المحبة أصدق ما يُقال في رثائكِ.
[email protected]
أضف تعليق