في مقال سابق بعنوان «من علّمنا الأذى؟ المنهج الخفي الذي يصنع سلوكنا»، تناولتُ أثر الرسائل التربوية غير المباشرة في تشكيل سلوك الأبناء، وكيف يمكن أن تنتقل أنماط الأذى والإقصاء من خلال مواقف يومية لا نلتفت دائمًا إلى تأثيرها. واليوم أعود إلى المنهج الخفي من زاوية أخرى، لا تتوقف عند ما يتعلمه أبناؤنا دون أن نقصد، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نساعدهم على اكتشاف الرسائل غير المعلنة، وفهمها، ومساءلتها بدلًا من تقبّلها دون تفكير؟
من واقع تجربتي الطويلة في الميدان التربوي، أدركت أن الطالب لا يتعلم مما نقوله له فحسب، بل مما يراه في سلوكنا ومواقفنا اليومية. فكلمة عابرة، أو طريقة نعالج بها خطأ، أو موقف نتخذه تجاه طالب مختلف، أو حتى صمتنا في لحظة تستدعي التدخل، قد تترك في نفسه أثرًا أعمق من درس كامل. وهنا تتجلى قوة «المنهج الخفي»، ذلك التعلم غير المعلن الذي يتشكل خارج حدود الكتب والمناهج الرسمية، لكنه يسهم في بناء شخصية الطالب وتصوراته عن ذاته والآخرين.
واليوم، لم تعد المدرسة والأسرة وحدهما من تصوغان وعي الطالب؛ فقد أصبح الفضاء الرقمي شريكًا مؤثرًا في تشكيل أفكاره واتجاهاته، بما يحمله من أخبار وصور ومقاطع فيديو ورسائل متناقضة. وفي ظل هذا التدفق المتسارع للمعلومات، لم يعد التحدي التربوي مقتصرًا على ما يتعلمه أبناؤنا، بل امتد إلى كيفية فهمهم لما يتلقونه، وقدرتهم على التمييز بين الحقيقة والرأي، وبين المعلومة الموثوقة والمحتوى المضلل.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف نربي جيلًا لا يكتفي بقراءة الرسائل، بل يمتلك القدرة على قراءة ما وراءها؟
أرى أن التفكير الناقد لا يبدأ بمفاهيم معقدة أو دروس نظرية مطولة، بل بأسئلة بسيطة نغرسها في المواقف اليومية: كيف عرفت؟ ما الدليل؟ من مصدر المعلومة؟ هل سمعت وجهة النظر الأخرى؟ وهل اتفاق الأغلبية على رأي معين يجعله بالضرورة صحيحًا؟
هذه الأسئلة، على بساطتها، تفتح أمام الطالب مساحة للتأمل والمراجعة، وتعلمه ألا يتسرع في إصدار الأحكام أو تبني المواقف. فالتفكير الناقد لا يعني التشكيك في كل شيء، وإنما امتلاك القدرة على الفحص والمقارنة والاستناد إلى الأدلة قبل الوصول إلى الاستنتاجات.
ولنتأمل موقفًا يتكرر في مدارسنا: يأتي طالب يشكو من إساءة زميله إليه. قد يكون الحل الأسرع تحديد المخطئ ومعاقبته، لكن الموقف ذاته يمكن أن يتحول إلى فرصة تربوية نسأل فيها: ماذا حدث؟ هل سمعنا الطرف الآخر؟ هل فهمنا الظروف المحيطة بالموقف؟ عندها لا نكون قد عالجنا خلافًا فحسب، بل علمنا الطالب درسًا عمليًا في العدالة والإنصاف والتفكير قبل الحكم.
وفي الأسرة، لا تقل هذه المسؤولية أهمية. فبدل أن ينحصر حديثنا مع الأبناء في عدد الساعات التي يقضونها أمام الشاشات، يمكن أن نسألهم عما يشاهدونه، وعن مصدر الأخبار التي يتداولونها، ولماذا يثقون بمحتوى معين دون غيره. إن الحوار الواعي يفتح أمامهم آفاقًا من التفكير لا تحققها التعليمات المباشرة وحدها.
لكن السؤال الأكثر حساسية يتوجه إلينا نحن، كأهل ومربين: كيف نطالب أبناءنا بالتحقق من المعلومات بينما نتداول أخبارًا لم نتحقق منها؟ وكيف ندعوهم إلى احترام الاختلاف ونحن لا نتيح لهم مساحة للتعبير عن آرائهم؟ وكيف نشجعهم على التفكير المستقل إذا كنا ننتظر منهم دائمًا إجابات تتطابق مع أفكارنا؟
هنا يعود المنهج الخفي ليكشف عن جانب بالغ الأهمية في العملية التربوية؛ فقد نعلن قيم الحوار والاحترام والعدالة، بينما تنقل ممارساتنا اليومية رسائل مختلفة تمامًا. فالطالب يراقب كيف نتعامل مع الخطأ، وكيف نستمع إلى الرأي المخالف، وكيف نتصرف عندما نكتشف أننا كنا على خطأ. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة تتشكل لديه معايير قد ترافقه سنوات طويلة.
إن بناء التفكير الناقد لا يتحقق بتعليم الطالب كيف يطرح الأسئلة فقط، بل بتوفير بيئة يشعر فيها بالأمان عندما يسأل، وبالاحترام عندما يختلف، وبالقدرة على مراجعة أفكاره دون خوف من الخطأ أو الإحراج. كما يتطلب منا أن نكون نماذج حية للقيم التي نسعى إلى غرسها، لأن الرسائل التي تحملها أفعالنا قد تكون أبلغ من الكلمات التي نكررها.
ولعل أخطر ما في المنهج الخفي أنه يعمل أحيانًا دون أن ننتبه إليه؛ فقد نغرس الثقة أو الخوف، والاستقلالية أو التبعية، وقبول الاختلاف أو رفضه، من خلال مواقف نظنها عابرة. لذلك، فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على مراجعة ما نعلمه لأبنائنا، بل تشمل مراجعة ما يتعلمونه منا دون أن نقصد تعليمه.
وبعد سنوات طويلة في التربية، أصبح سؤال الأثر بالنسبة لي أكثر أهمية من سؤال التحصيل وحده: ماذا يبقى في الطالب بعد أن تنتهي الحصة وينسى كثيرًا مما حفظه؟ ربما تبقى كلمة أنصفناه بها، أو موقف احترمنا فيه رأيه، أو سؤال دفعناه من خلاله إلى التفكير بطريقة مختلفة.
إننا لا نستطيع مرافقة أبنائنا أمام كل خبر وصورة ورسالة، ولا يمكننا أن نقدم لهم إجابات جاهزة عن كل ما سيواجهونه. لكننا نستطيع أن نمنحهم ما هو أبقى من الإجابات: عادة السؤال، وشجاعة البحث عن الحقيقة، والقدرة على مراجعة المواقف في ضوء المعرفة الجديدة.
فالتربية التي تستحق أن تترك أثرًا ليست تلك التي تملأ العقول بالمعلومات فحسب، بل التي تمنحها القدرة على التمييز، وتحررها من التلقي الأعمى، وتعلمها أن الاختلاف فرصة للفهم لا سببًا للإقصاء.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا كأهل ومربين:
ليس فقط ماذا نريد لأبنائنا أن يعرفوا، بل كيف نريدهم أن يفكروا عندما لا نكون إلى جانبهم؟
 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]