بقلم: محمد اكن
قد تبدو سبتة ومليلية، في نظر كثيرين، مجرد مدينتين صغيرتين على الساحل الشمالي للمغرب، أو ملفًا دبلوماسيًا يتجدد كلما شهدت العلاقات المغربية الإسبانية توترًا أو تقاربًا. لكن من يقرأ التاريخ بعمق، يدرك أن القضية أكبر من حدود مرسومة على الخرائط، وأقدم من الدول الحديثة، وأكثر تعقيدًا من أن تختزل في نقاش قانوني أو سياسي آني. إنها قضية تختزن في أعماقها ذاكرة قرون من التحولات الجيوسياسية التي غيرت وجه غرب البحر الأبيض المتوسط، وجعلت المغرب يتحمل، عبر الأجيال، نتائج صراعات لم يكن هو من بدأها، لكنه كان أول من دفع ثمنها.
وهنا يبرز سؤال قد يبدو مستفزًا، لكنه مشروع من الناحية التاريخية: هل كانت سبتة ومليلية ستبقيان خارج السيادة المغربية لو لم تنهَر الأندلس من الداخل؟ وهل يمكن قراءة هاتين المدينتين باعتبارهما آخر الآثار الحية لانهيار نظام سياسي وحضاري امتد أثره من غرناطة إلى السواحل المغربية؟
هذا السؤال لا يسعى إلى إعادة محاكمة الماضي، ولا إلى تحميل شعوب اليوم مسؤولية قرارات اتخذها حكام الأمس، بل يهدف إلى إعادة قراءة التاريخ بعيدًا عن السرديات التي تميل إلى تبسيط الأحداث أو اختزالها في معارك بين منتصر ومهزوم. فالتاريخ، في جوهره، لا يتحرك بخط مستقيم، بل تصنعه توازنات القوة، والانقسامات الداخلية، والتحالفات، والأخطاء السياسية، بقدر ما تصنعه الجيوش والسيوف.
لقد كانت الأندلس إحدى أعظم التجارب الحضارية في التاريخ الوسيط. ولم يكن ازدهارها مجرد ازدهار سياسي، بل مشروعًا إنسانيًا شاركت في بنائه شعوب متعددة، من عرب وأمازيغ وأندلسيين ويهود وغيرهم، فأنتجت حضارة أثرت في أوروبا والعالم الإسلامي على السواء. ففي قرطبة وغرناطة وإشبيلية وطليطلة ازدهرت الفلسفة والطب والرياضيات والفلك والهندسة، وتحولت المدن الأندلسية إلى مراكز للعلم والمعرفة والتسامح النسبي، في وقت كانت فيه أجزاء واسعة من أوروبا لا تزال تخطو خطواتها الأولى نحو النهضة.
غير أن هذا الوجه المشرق يخفي حقيقة أخرى كثيرًا ما تُهمَل عند قراءة تاريخ الأندلس، وهي أن الحضارات لا تنهار لأنها تفتقر إلى العلماء أو الجنود، وإنما لأنها تفشل في إدارة الخلاف السياسي. فما إن ضعفت السلطة المركزية حتى بدأت الانقسامات تتسع، وتحولت الخلافات السياسية إلى صراعات على الحكم، ثم إلى حروب استنزفت الدولة من الداخل، قبل أن يتمكن الخصوم من هزيمتها من الخارج.
ومن بين أكثر الجوانب التي تستحق إعادة القراءة أيضًا، الدور الذي لعبه المغرب في تاريخ الأندلس. فكثيرًا ما تُختزل قصة الأندلس في أسماء الخلفاء والأمراء، بينما يُغفل الحديث عن أن المغرب لم يكن مجرد جار جغرافي، بل كان عمقها الاستراتيجي، وأن مضيق جبل طارق لم يكن حاجزًا يفصل بين الضفتين، بل كان جسرًا يربط بين فضاء سياسي وحضاري واحد.
الأمازيغ لم يكونوا مجرد جنود في معركة
لقد تشير مصادر تاريخية عديدة إلى أن القسم الأكبر من القوات التي عبرت إلى الأندلس سنة 711 كان يتكون من مقاتلين أمازيغ، بقيادة طارق بن زياد، إلى جانب القيادات العربية. ولا يزال المؤرخون يناقشون حجم أدوار كل طرف، لكن ما يكاد يحظى بإجماع واسع هو أن الأمازيغ لم يكونوا مجرد جنود في معركة، بل تحولوا إلى عنصر أساسي في المجتمع الأندلسي، وأسهموا في العمران والزراعة والدفاع والإدارة، كما لعبت دول مغربية لاحقة، وعلى رأسها المرابطون والموحدون، دورًا حاسمًا في الدفاع عن الأندلس عندما أصبحت مهددة بالسقوط.
ولولا تدخل المرابطين في معركة الزلاقة سنة 1086، ثم تدخل الموحدين في مراحل لاحقة، لربما تسارع انهيار الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية. لقد عبرت الجيوش المغربية البحر مرات عديدة، لا بحثًا عن توسع أو غنيمة، بل دفاعًا عن فضاء حضاري كانت ترى فيه امتدادًا طبيعيًا لأمن المغرب واستقراره. وكانت تلك الحملات تكلف الدولة المغربية موارد مالية وبشرية هائلة، لكنها كانت تُعد استثمارًا في حماية التوازن الاستراتيجي للمنطقة بأسرها.
غير أن التاريخ لا يرحم الدول التي تعجز عن توحيد صفوفها.
فبعد وفاة المنصور بن أبي عامر، ثم انهيار الخلافة الأموية في قرطبة، دخلت الأندلس مرحلة عُرفت بعصر ملوك الطوائف. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الخطر الحقيقي يأتي من الشمال وحده، بل أصبح ينبع أيضًا من داخل المدن الأندلسية نفسها. انقسمت البلاد إلى دويلات متنافسة، وأصبح كل أمير يخشى جاره أكثر مما يخشى خصمه الخارجي. وتحولت السياسة من إدارة للدولة إلى صراع على السلطة، حتى وصل الأمر ببعض الحكام إلى طلب العون من الممالك المسيحية ضد منافسيهم المسلمين، مقابل دفع الأموال أو تقديم تنازلات سياسية وعسكرية.
كانت تلك، في نظر كثير من المؤرخين، بداية النهاية.
فالعدو الخارجي لا يستطيع عادة إسقاط دولة متماسكة، لكنه يستطيع استغلال انقسامها. ولم تكن الممالك المسيحية في الشمال تنتصر بقوتها العسكرية وحدها، بل لأنها وجدت أمامها خصمًا استنزف نفسه بنفسه. وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات قسوة في التاريخ: فبينما كانت الأندلس تمتلك العلماء والمهندسين والشعراء والجيوش، كانت تفتقر إلى ما هو أهم من ذلك كله... القدرة على الحفاظ على وحدتها السياسية.
ولذلك، فإن سقوط غرناطة سنة 1492 لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل كان النتيجة المنطقية لمسار طويل من التفكك الداخلي. لقد سقطت المدينة الأخيرة، لكن الحقيقة أن الدولة كانت قد بدأت تتداعى قبل ذلك بقرون، عندما أصبح الصراع على الحكم أهم من الحفاظ على الوطن، وعندما تحولت المصالح الضيقة إلى معول هدم لمشروع حضاري استمر قرابة ثمانية قرون.
لكن هل انتهت القصة عند أسوار غرناطة؟
الجواب هو: لا.
فما إن انتهت حرب الاسترداد حتى بدأ فصل جديد، لم يكن مسرحه الأندلس هذه المرة، بل المغرب نفسه. فالانتصار الذي حققته القوى الإيبيرية لم يتوقف عند حدود شبه الجزيرة، بل فتح شهية الإمبراطوريات البحرية الصاعدة للتوسع جنوبًا، والسيطرة على الموانئ المغربية، والتحكم في طرق التجارة والملاحة عبر مضيق جبل طارق.
وهنا، بدأ المغرب يكتشف أن سقوط الأندلس لم يكن نهاية حرب، بل بداية حرب أخرى... وأن فاتورة الانقسام في الضفة الشمالية ستُرسل تباعًا إلى الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط.
لم يكن انتقال الصراع من الأندلس إلى المغرب مجرد صدفة جغرافية، بل كان نتيجة مباشرة لتحول استراتيجي شهدته شبه الجزيرة الإيبيرية مع نهاية القرن الخامس عشر. فبعد سقوط غرناطة، لم تعد الممالك الإيبيرية منشغلة بالدفاع عن حدودها، بل أصبحت قوة بحرية صاعدة تتطلع إلى السيطرة على الضفة الجنوبية للمتوسط، باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لأمنها ومصالحها التجارية والعسكرية.
غير أن بداية هذا المسار تعود إلى ما قبل سقوط غرناطة نفسها. فقد احتلت البرتغال مدينة سبتة سنة 1415، في مرحلة كانت فيها الدولة المرينية تعاني من أزمات داخلية، بينما كانت القوى الإيبيرية تعزز قدراتها البحرية والعسكرية. ثم انتقلت سبتة لاحقًا إلى السيادة الإسبانية بعد اتحاد التاجين البرتغالي والإسباني، قبل أن تُثبت تبعيتها لإسبانيا في مراحل لاحقة من التاريخ. أما مليلية فقد احتلتها إسبانيا سنة 1497، بعد خمس سنوات فقط من سقوط غرناطة، في لحظة كانت موازين القوى في غرب المتوسط قد تغيرت بصورة جذرية.
ولم تكن المدينتان مجرد مرفأين على الساحل المغربي، بل كانتا جزءًا من رؤية استراتيجية هدفت إلى التحكم في المضيق، ومراقبة طرق التجارة، وتأمين التوسع البحري نحو إفريقيا والمحيط الأطلسي. ومن هنا، فإن قضية سبتة ومليلية لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات الكبرى التي أعقبت نهاية الأندلس.
لقد دفع المغرب ثمنًا باهظًا لهذه التحولات. فبينما كانت الدول الأوروبية تدخل عصر الكشوف الجغرافية وبناء الإمبراطوريات البحرية، كان المغرب يخوض معارك متواصلة للدفاع عن سواحله ومدنه، ويواجه محاولات متكررة لاحتلال موانئه. ورغم نجاحه في استعادة عدد من الثغور عبر المقاومة أو المفاوضات، بقيت سبتة ومليلية خارج سيادته، لتتحولا مع مرور الزمن إلى آخر بقايا الوجود الاستعماري الأوروبي على الساحل الشمالي للمغرب، من منظور الدولة المغربية.
لكن صفحات التاريخ لم تتوقف عند احتلال المدينتين.
فمع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، دخل المغرب مرحلة جديدة من الضغوط الاستعمارية، انتهت بفرض نظام الحماية وتقاسم النفوذ بين فرنسا وإسبانيا. وأصبحت مناطق الريف وجبالة، في شمال المملكة، خاضعة للإدارة الإسبانية، لتبدأ واحدة من أكثر الفصول قسوة في تاريخ المنطقة.
لقد واجهت القبائل المغربية الاحتلال بمقاومة شرسة، كان أبرز تجلياتها حرب الريف بقيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي تمكن من إلحاق هزائم عسكرية كبيرة بالقوات الإسبانية، وأثبت أن إرادة الشعوب قد تقلب موازين القوى مهما كان التفوق العسكري للطرف الآخر.
غير أن تلك الحرب لم تكن حربًا تقليدية.
فقد وثقت دراسات تاريخية وأبحاث أكاديمية استخدام القوات الإسبانية، خلال عشرينيات القرن الماضي، أسلحة كيميائية وغازات سامة ضد مناطق في الريف، وهو ملف لا يزال يحظى باهتمام مؤرخين وباحثين ومنظمات حقوقية، وتستمر الدعوات إلى كشف جميع تفاصيله من خلال فتح الأرشيفات التاريخية وإجراء مزيد من الدراسات العلمية حول آثاره الإنسانية والصحية والبيئية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل تشير الوثائق أيضًا إلى اعتماد سياسات عسكرية قاسية في بعض المناطق، شملت الحصار، واستهداف مصادر المياه والغذاء، وإحراق المحاصيل، في محاولة لإضعاف المقاومة وإخضاع السكان. وقد تركت تلك المرحلة جروحًا عميقة في الذاكرة الجماعية لسكان الريف، وهي جروح لم تندمل بالكامل رغم مرور قرن من الزمن.
إن الحديث عن هذه الوقائع لا يهدف إلى تأجيج الكراهية أو إعادة إنتاج صراعات الماضي، وإنما إلى الإقرار بأن التاريخ لا يُمحى بمجرد مرور الزمن. فالذاكرة الجماعية للشعوب ليست مجرد سرد للأحداث، بل عنصر أساسي في تشكيل الهوية الوطنية وفهم الحاضر.
ومن هنا، تبرز دعوات متكررة يطلقها عدد من المؤرخين والحقوقيين والباحثين، تدعو إلى أن تعترف إسبانيا رسميًا بما وثقته الدراسات بشأن استعمال الأسلحة الكيميائية في الريف، وأن تُفتح الأرشيفات العسكرية المرتبطة بتلك المرحلة، بما يسمح للباحثين بإعادة بناء الحقيقة التاريخية كاملة، بعيدًا عن المبالغات أو الإنكار.
دول واجهت صفحات مؤلمة من تاريخها
فالاعتراف بالماضي لا يُعد هزيمة للدول، بل علامة على نضجها السياسي والأخلاقي. وقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة نماذج عديدة لدول واجهت صفحات مؤلمة من تاريخها بالاعتراف والاعتذار والمصالحة، إدراكًا منها أن بناء مستقبل مستقر يمر عبر مصارحة التاريخ، لا عبر تجاهله.
وهناك صفحة أخرى لا تقل أهمية في الذاكرة المشتركة بين المغرب وإسبانيا، وهي مشاركة عشرات الآلاف من المغاربة، وبينهم أعداد كبيرة من أبناء الريف وجبالة، في الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) ضمن القوات التي قادها الجنرال فرانسيسكو فرانكو، حيث عُرفوا في الأدبيات الإسبانية باسم "المورو".
لقد قاتل هؤلاء على أرض ليست أرضهم، وسقط كثير منهم في حرب لم تكن حرب وطنهم، وإنما فرضتها ظروف الاستعمار آنذاك. ولذلك، فإن هذا الإرث يمثل جزءًا من التاريخ المشترك بين البلدين، ويستحق مزيدًا من الدراسة بعيدًا عن التوظيف السياسي أو القراءة الانتقائية.
كل هذه الوقائع تجعل من قضية سبتة ومليلية أكثر من مجرد ملف حدودي. فهي ترتبط بتاريخ طويل من التوسع الاستعماري، والمقاومة، والتحولات الجيوسياسية، والذاكرة الجماعية، والحقوق التاريخية. ومن هنا، يصعب فصل الحاضر عن الماضي، لأن الحدود ليست خطوطًا على الخرائط فحسب، بل هي أيضًا نتاج لتاريخ طويل من الصراعات والتحولات.
إن المغرب، وهو يتمسك اليوم بموقفه الثابت من سبتة ومليلية، لا يستند فقط إلى اعتبارات جغرافية أو قانونية، بل أيضًا إلى قراءة تاريخية تعتبر أن استكمال وحدته الترابية يظل جزءًا من مسار تاريخي لم يُغلق بعد، مع التأكيد على أن هذا المسار ينبغي أن يبقى مؤطرًا بالحوار، والوسائل السلمية، واحترام القانون الدولي، بما يحفظ الاستقرار والعلاقات الإستراتيجية بين الرباط ومدريد.
لكن التاريخ لم يتوقف عند صفحات الاستعمار... ففي السنوات الأخيرة، عاد ليفرض نفسه من جديد، ليس عبر الجيوش هذه المرة، بل عبر الهجرة الجماعية نحو سبتة، وكأن الذاكرة القديمة قررت أن تتحدث بلغة جديدة، وأن تذكر الجميع بأن بعض القضايا قد تهدأ سياسيًا، لكنها لا تختفي من وجدان الشعوب.
وإذا كان التاريخ قد انتقل من غرناطة إلى سبتة عبر الجيوش والأساطيل، فإنه عاد في السنوات الأخيرة عبر مشهد مختلف تمامًا: آلاف الشباب المغاربة يتدفقون نحو سبتة، مدفوعين بأحلام الهجرة، وبما تنشره شبكات التواصل الاجتماعي من صور ورسائل ومقاطع مصورة تصور المدينة وكأنها بوابة سهلة إلى أوروبا.
لكن خلف هذه المشاهد تختبئ حقيقة أكثر عمقًا.
فبالنسبة إلى عدد من المغاربة، لا تبدو سبتة مجرد مدينة أجنبية، بل جزءًا من وطن يرون أنه لم يستكمل بعد وحدته الترابية. وهذا التصور لا ينبع فقط من العاطفة الوطنية، بل يجد جذوره في الموقف الرسمي المغربي الذي يعتبر سبتة ومليلية والجزر الخاضعة للإدارة الإسبانية أجزاءً من التراب المغربي، مع التأكيد على أن معالجة هذا الملف ينبغي أن تتم عبر الوسائل السلمية، والحوار، واحترام القانون الدولي.
ومن هنا، فإن موجات الهجرة إلى سبتة لا يمكن قراءتها من زاوية أمنية أو اجتماعية فقط، رغم أهمية هذين البعدين، بل تكشف أيضًا عن حضور الذاكرة التاريخية في الوعي الجماعي، وعن استمرار تأثير الماضي في تشكيل تصورات الحاضر. فالتاريخ لا يعيش في الكتب وحدها، بل يعيش أيضًا في وجدان الشعوب، وفي الطريقة التي تنظر بها إلى الأرض والحدود والسيادة.
وهذا يقودنا إلى مفهوم بالغ الأهمية، هو العدالة التاريخية.
فالعدالة التاريخية لا تعني إعادة رسم خرائط العالم بالقوة، ولا تعني استدعاء الحروب القديمة أو تحميل الأجيال الحالية مسؤولية ما ارتكبه أسلافها، وإنما تعني الاعتراف بالوقائع التاريخية، وصون الذاكرة، وفتح الأرشيفات، وتشجيع البحث العلمي، والاعتراف بمعاناة الضحايا حيثما ثبتت بالأدلة والوثائق.
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن مواجهة الماضي لا تُضعف الأمم، بل تمنحها قوة أخلاقية أكبر. فالاعتذار عن المظالم التاريخية، عندما يستند إلى الحقيقة، ليس تنازلًا عن السيادة، بل تعبير عن نضج الدولة وثقتها بنفسها. ومن هذا المنطلق، فإن الدعوات الصادرة عن مؤرخين وباحثين وحقوقيين إلى فتح ملف حرب الريف، والبحث في آثار استعمال الأسلحة الكيميائية، وحفظ الذاكرة، تندرج ضمن نقاش أكاديمي وحقوقي مشروع، لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعوة إلى تأجيج العداوات.
إن المغرب وإسبانيا اليوم شريكان في ملفات استراتيجية عديدة، من الأمن والهجرة إلى الاقتصاد والطاقة والتعاون المتوسطي. وقد نجح البلدان خلال السنوات الأخيرة في بناء مستوى مهم من التنسيق، وهو مكسب ينبغي الحفاظ عليه وتطويره. لكن العلاقات المتينة لا تقوم فقط على المصالح الآنية، بل تحتاج أيضًا إلى شجاعة في التعامل مع الملفات التاريخية الحساسة، لأن التاريخ الذي لا يُناقش يظل قابلًا للعودة كلما تغيرت الظروف.
ولذلك، فإن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية لا ينبغي أن يُبنى على منطق الغالب والمغلوب، ولا على استدعاء لغة الصراع، وإنما على الاعتراف بأن الشعبين يتقاسمان تاريخًا طويلًا، حمل لحظات ازدهار وتعاون، كما حمل أيضًا فترات من المواجهة والاستعمار. ولا يمكن لأي شراكة استراتيجية أن تكون أكثر رسوخًا إذا بقيت بعض صفحات الذاكرة مطوية دون نقاش علمي هادئ ومسؤول.
وفي هذا السياق، تبدو قضية سبتة ومليلية أكثر تعقيدًا من مجرد نزاع حول مدينتين. فهي تلتقي فيها اعتبارات القانون الدولي، والذاكرة الوطنية، والتحولات الجيوسياسية، والرمزية التاريخية. ولهذا، فإن اختزالها في خطاب شعبوي أو في سجال إعلامي لا يخدم فهمها، كما أن تجاهل بعدها التاريخي لا يغيّر من وجوده.
الأمم لا تنهار عندما تصبح أقل علمًا، بل عندما تصبح أكثر انقسامًا
لقد علمتنا الأندلس أن الأمم لا تنهار عندما تصبح أقل علمًا، بل عندما تصبح أكثر انقسامًا. وعلمتنا حرب الريف أن الشعوب قد تُهزم عسكريًا، لكنها لا تتخلى بسهولة عن ذاكرتها. وتعلمنا سبتة ومليلية اليوم أن بعض القضايا قد تبقى معلقة لقرون، لكنها لا تسقط بالتقادم من الوجدان الوطني.
ومن هنا، فإنأكبر درس يمكن أن يستخلصه المغرب من هذا المسار التاريخي الطويل ليس البقاء أسيرًا للماضي، بل الاستفادة منه. فالدولة القوية لا تُبنى على استحضار المظالم وحدها، وإنما على ترسيخ المؤسسات، وتعزيز التنمية، وصيانة الوحدة الوطنية، وتحصين المجتمع بالعلم والاقتصاد والعدالة. فهذه هي الأدوات التي تحمي السيادة أكثر مما تحميها الشعارات.
إن المغرب، وهو يواصل الدفاع عن وحدته الترابية في مختلف المحافل الدولية، يدرك أن الزمن تغير، وأن معارك القرن الحادي والعشرين تُخاض بالدبلوماسية، والقانون، والتنمية، وبناء الثقة، لا بالمدافع والأساطيل. ولذلك، فإن التمسك بالحقوق التاريخية لا يتعارض مع مد اليد للتعاون، كما أن المطالبة بالإنصاف لا تعني رفض الشراكة.
ويبقى السؤال الذي افتتحنا به هذا المقال حاضرًا، وربما أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل دفع المغرب فعلًا فاتورة حروب لم يخترها؟
قد يختلف المؤرخون في بعض التفاصيل، وقد تتباين المدارس التاريخية في تفسير الأحداث، لكن ما يصعب إنكاره هو أن التحولات التي بدأت مع تفكك الأندلس، ثم انتهت بسقوط غرناطة، أعادت تشكيل ميزان القوى في غرب البحر الأبيض المتوسط، وألقت بظلالها على المغرب لقرون متعاقبة. ومن هذا المنظور، فإن سبتة ومليلية ليستا مجرد مدينتين خارج السيادة المغربية، بل تمثلان، في الوعي التاريخي المغربي، أحد آخر الفصول المفتوحة في قصة بدأت على أسوار قرطبة وغرناطة، ولم تنتهِ بعد.
إن التاريخ لا يطالبنا بأن نعيش أسرى الماضي، لكنه يطالبنا بألا ننساه. ولا يدعونا إلى الانتقام، بل إلى الفهم. ولا يحثنا على صناعة عداوات جديدة، بل على بناء مستقبل أكثر عدلًا واتزانًا.
فمن غرناطة إلى سبتة ومليلية، لم تكن القضية مجرد انتقالٍ للحدود، بل انتقالٌ لأعباء التاريخ نفسه. وبينما تغيرت الدول، وتعاقبت الإمبراطوريات، وبُنيت تحالفات جديدة، بقي درس واحد صامدًا أمام الزمن: الأمم التي تحافظ على وحدتها ومؤسساتها وسيادتها، هي وحدها القادرة على أن تمنع أبناءها من دفع فاتورة حروب لم يختاروها.
[email protected]
أضف تعليق