إعتبر المحلل السياسي دان بيري في حديثٍ لـ "بكرا" أن الحرب مع إيران قد لا تُذكر لاحقاً فقط بسبب الضربات العسكرية أو عمليات الاغتيال، بل ربما باعتبارها اللحظة التي انهارت فيها إحدى أهم ركائز بنيامين نتنياهو السياسية: صورته كمن يعرف كيف يحافظ على مكانة إسرائيل في واشنطن وعلى احترامها أمام الإدارة الأميركية.
ويرى بيري أن نتنياهو بنى جزءاً كبيراً من شرعيته السياسية على فكرة أنه يفهم الولايات المتحدة أكثر من أي سياسي إسرائيلي آخر، وأنه قادر على إدارة العلاقة مع الرؤساء الأميركيين والحفاظ على إسرائيل قريبة من مركز القوة العالمي. لكن التطورات الأخيرة، بحسبه، أظهرت واقعاً مختلفاً.
وأشار بيري إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث علناً عن نتنياهو بطريقة توحي بعلاقة تبعية، لا بعلاقة بين دولتين حليفتين، حين قال إن "نتنياهو سيفعل ما أقول له أن يفعله". ووفق بيري، فإن خطورة هذا التصريح لا تكمن فقط في مضمونه، بل في أنه يكسر عرفاً حافظت عليه الإدارات الأميركية السابقة، حتى في لحظات الخلاف، وهو عدم تصوير إسرائيل علناً كدولة تعمل وفق أوامر شخصية من الرئيس الأميركي.
اليمين يصمت امام تصريحات ترامب
وأضاف أن المفارقة تكمن في أن اليمين الإسرائيلي، الذي هاجم إدارة جو بايدن بسبب خلافات حول رفح وشحنات السلاح، يصمت تقريباً أمام تصريحات ترامب الأكثر قسوة. فبايدن، رغم ضغوطه، لم يتحدث عن إسرائيل كدولة تحتاج إلى ترخيص أميركي للعمل، بينما يفعل ترامب ذلك بصورة مباشرة وعلنية.
وفي قراءته للحرب مع إيران، يقول بيري إن إسرائيل والولايات المتحدة حققتا إنجازات عسكرية وتكتيكية واضحة في بدايتها، من خلال ضربات عميقة داخل إيران واستهداف قيادات وبنى تحتية. لكنه يرى أن هذه الإنجازات لم تتحول إلى مكاسب استراتيجية. فالنظام الإيراني لم يسقط، والبرنامج النووي لم يُحسم، ومنظومة الصواريخ الباليستية بقيت قائمة، كما أن حزب الله والحوثيين وحماس لم يختفوا من المشهد.
وبحسب بيري، كشفت إيران سريعاً حدود القوة العسكرية المباشرة، إذ لم تكن بحاجة إلى نصر عسكري كي تؤثر في الواقع، بل استخدمت التهديد بمضيق هرمز، وتعطيل خطوط التجارة، والطائرات المسيّرة، ورفع منسوب القلق في أسواق الطاقة، ما دفع دولاً غربية وخليجية إلى الضغط من أجل وقف التصعيد.
ويرى بيري أن الخلل الأساسي كان في غياب خطة واضحة لما بعد الضربة الأولى. فقد جرى التخطيط جيداً لبداية عسكرية قوية، لكن من دون استراتيجية متماسكة لإسقاط النظام، أو إدارة حرب استنزاف اقتصادية، أو تحمل ثمن مواجهة طويلة. وفي هذه النقطة، بحسبه، ظهر الفرق بين النجاح التكتيكي والنجاح الاستراتيجي.
سياسة ترامب تجاه الحلفاء
ويربط بيري هذا الفشل أيضاً بسياسة ترامب الأوسع تجاه حلفاء الولايات المتحدة، معتبراً أن إضعافه للعلاقات مع أوروبا وحلف الناتو أضر بقدرة واشنطن على بناء جبهة دولية فعالة ضد إيران. ويقول إن قسماً كبيراً من النخب الأوروبية لا يثق بترامب، ولا يريد منحه إنجازاً سياسياً، حتى لو كانت لا ترغب في إيران نووية أو في حرب إقليمية.
ويعود بيري إلى ما بعد السابع من تشرين الأول 2023، معتبراً أن إسرائيل امتلكت حينها نافذة استراتيجية نادرة. فقد كان العالم الغربي مصدوماً، وكانت دول عربية ترى في حماس عاملاً يهدد الاستقرار الإقليمي، وكان ممكناً، وفق قراءته، بناء مسار يشمل صفقة تبادل، وإنهاء تدريجياً للحرب، وتطبيعاً مع السعودية، وضغطاً عربياً ودولياً لتغيير الحكم في غزة ضمن ترتيبات أوسع.
لكن بيري يرى أن نتنياهو اختار إطالة الحرب من دون خطة سياسية واضحة، لأنه كان سيضطر في أي تسوية إقليمية إلى مواجهة سؤال الفلسطينيين وشركائه اليمينيين المتطرفين في الائتلاف. ومع استمرار الحرب، تآكلت شرعية إسرائيل دولياً، وتراجعت مكانتها في أوساط واسعة في الغرب، خصوصاً بين الديمقراطيين الأميركيين والشباب والاتحاد الأوروبي.
ترتيب سياسي
ويخلص بيري إلى أن إسرائيل بقيادة نتنياهو تبدو اليوم، في نظره، دولة قادرة على توجيه ضربات قوية، لكنها عاجزة عن ترجمة القوة إلى ترتيب سياسي مستقر. ويرى أن العالم لا يحترم القوة وحدها، بل يحترم أيضاً الحكمة، والمسؤولية، والاستراتيجية، والقدرة على تقديم أفق سياسي.
وبحسب بيري، يصعب على نتنياهو، بعد كل ذلك، أن يقنع عدداً كافياً من الإسرائيليين بأنه لا يزال الرجل القادر على جلب الأمن، والمكانة، والاحترام لإسرائيل.
[email protected]
أضف تعليق