لم أتعلم معنى الصمود من الكتب ولا من الخطابات. تعلمته من أمهات وآباء فقدوا أبناءهم في جرائم القتل، ثم قرروا في اليوم التالي أن يواصلوا النضال من أجل حياة أفضل للآخرين.
خلال عملي في حملة الحصانة الاجتماعية ضمن حراك “نقف معًا”، كان اللقاء مع عائلات الضحايا هو التجربة الأكثر تأثيرًا. هناك، أمام وجع لا يمكن للكلمات أن تصفه، رأينا شيئًا أقوى من الألم: إرادة التغيير.
الأهل الذين كان من حقهم أن يستسلموا لليأس، اختاروا مواجهته. والذين دفعوا الثمن الأغلى، ما زالوا يؤمنون بأن مجتمعنا يستحق الأمان والحياة والكرامة.
هذه اللقاءات لم تترك في نفسي الحزن فقط، بل تركت سؤالًا لا يفارقني: إذا كان من فقدوا أبناءهم ما زالوا يؤمنون بإمكانية التغيير، فما الذي يمنع بقيتنا من القيام بما هو مطلوب منا؟
نحن نعيش في واقع قاسٍ. مجتمعنا يدفع منذ سنوات أثمانًا باهظة بسبب الجريمة والعنف. مئات العائلات فقدت أبناءها وبناتها، وآلاف العائلات تعيش يوميًا تحت وطأة الخوف والقلق. ومع ذلك، لم نتوقف عن النضال. خرجنا إلى الشوارع، نظمنا الاحتجاجات، بنينا المبادرات المجتمعية، ورفعنا صوتنا في كل مكان ممكن. وسنواصل هذا النضال، لأن الاستسلام لهذا الواقع يعني القبول بمزيد من الضحايا.
لكن هناك حقيقة علينا أن نقولها بوضوح: النضال في الشارع وحده لا يكفي.
عندما يتعلق الأمر بمستقبل مجتمعنا، لا يمكن أن نكتفي بالاحتجاج على الواقع، بل علينا أن نستغل كل فرصة متاحة لتغييره. والانتخابات هي واحدة من أهم هذه الفرص.
صحيح أن الانتخابات لا تحل كل شيء، وصحيح أنه لا توجد جهة سياسية ستحقق كل أحلامنا. لكن الصحيح أيضًا أن الحكومة اليمينية المتطرفة الحالية أثبتت خلال السنوات الأخيرة أنها جزء من المشكلة وليست جزءًا من الحل. في ظل هذه الحكومة تفاقمت الأزمات، وتعززت سياسات الإقصاء والتحريض، واستمرت حالة اللامبالاة تجاه القضايا التي تمس حياتنا اليومية وأمننا الشخصي ومستقبل أبنائنا.
استمرار هذه الحكومة ليس مجرد استمرار للوضع القائم، بل استمرار لمسار يقود إلى مزيد من التدهور. مزيد من التطرف. مزيد من العنف. ومزيد من الشعور بأن حياتنا وقضايانا ليست أولوية.
لهذا السبب لا يمكن النظر إلى الانتخابات القادمة كحدث سياسي عادي. إنها فرصة حقيقية للتأثير على الاتجاه الذي تسير فيه البلاد. فرصة لوقف هذا الانحدار. فرصة لإيصال رسالة واضحة بأننا نرفض الاستمرار في دفع الثمن نفسه عامًا بعد عام.
خلال لقاءاتنا مع أهالي الضحايا، لم أسمع دعوة إلى الاستسلام. لم أسمع دعوة إلى الانكفاء أو المقاطعة أو الانتظار. على العكس تمامًا. سمعت إصرارًا على أن نفعل كل ما نستطيع حتى لا تنضم عائلات أخرى إلى دائرة الفقدان.
وهذا بالضبط ما يجب أن نفعله اليوم.
علينا أن نواصل النضال في الشارع. وعلينا في الوقت نفسه أن نتوجه إلى صناديق الاقتراع. فالتغيير لا يتحقق بأداة واحدة، بل بتراكم الجهود واستغلال كل مساحة يمكن أن نصنع فيها تأثيرًا.
هذه المرة لم يعد التصويت رفاهية سياسية، ولم يعد مجرد حق نمارسه أو لا نمارسه. بعد كل ما فقدناه، أصبح التصويت مسؤولية. مسؤولية تجاه أنفسنا، وتجاه مجتمعنا، وتجاه الأجيال القادمة.
الأشخاص الذين فقدوا أبناءهم منحونا درسًا في الصمود. أقل ما يمكن أن نفعله احترامًا لتلك التضحيات هو ألا نقف على الهامش. أن نشارك. أن نؤثر. وأن نستخدم أصواتنا من أجل مستقبل أكثر أمانًا وعدلًا.
[email protected]
أضف تعليق