في ظل التصعيد المتسارع في المنطقة واتساع دائرة المواجهة مع إيران، تتزايد الأسئلة حول مستقبل الخليج، واحتمالات الانزلاق إلى مرحلة أكثر خطورة تمس الأمن الإقليمي والاستقرار الداخلي والاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، حاور موقع بكرا المستشار السياسي د. أحمد الخزاعي، الذي قدّم قراءة للمشهد الحالي، وربط بين التحولات داخل إيران وبين التداعيات المباشرة على دول الخليج ومسار الحرب في المرحلة المقبلة.
فهم السياسات الإيرانية
وقال د. أحمد الخزاعي في حديثه لموقع بكرا إن الحاجة اليوم إلى فهم أعمق للسياسات الإيرانية أصبحت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم. وأوضح أن قراءة السلوك الإيراني لا يمكن أن تقتصر على الخطاب الرسمي، بل يجب أن تشمل تفكيك العلاقات بين مراكز القوى داخل إيران، وربطها بتفاعلاتها مع القوى الكبرى، لأن طهران تدير شبكة معقدة من التحالفات والخصومات وتسعى إلى تثبيت نفوذها عبر أدوات متعددة، من بينها الاقتصاد الموازي، والتمدد الأمني، وتوظيف البعد الأيديولوجي في إدارة الصراع، وهو ما يضع دول الخليج أمام تحديات متجددة.
وأضاف الخزاعي أن الحرب دخلت مرحلة أكثر خطورة واتساعا منذ السبت الماضي، بعدما تحوّل ما كان يُنظر إليه سابقا على أنه احتمال لضربة أميركية إسرائيلية إلى واقع فعلي، الأمر الذي أدى إلى تصعيد سريع تجاوز حدود إيران. وأشار إلى أن طهران تعاملت مع القواعد الأميركية وإسرائيل كأهداف مباشرة، وفي الوقت نفسه وسّعت نطاق المواجهة ليشمل دول الخليج ضمن محيطها السيادي، ما يعني أن الصراع لم يعد محصورا في ساحة واحدة، بل بات أزمة إقليمية مفتوحة ذات تداعيات واسعة على التوازن الأمني في الشرق الأوسط.
وأكد أن التصعيد الإيراني أفرز بالفعل نتائج خطيرة على مستويات عدة، من بينها العمليات العسكرية المكثفة، وتهديد البنية التحتية الحيوية، وتفاقم حالة عدم الاستقرار في الخليج. ولفت إلى أن هذا التصعيد يضعف فرص الدبلوماسية، ويغذي الاضطرابات الداخلية داخل إيران، كما يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي من خلال التأثير على أسواق الطاقة وحركة الملاحة في مضيق هرمز. وقال إن دول الخليج، رغم ما أظهرته من ضبط نفس في البداية، تواجه اليوم ضغوطا متزايدة مع امتداد تداعيات الصراع إلى أراضيها وسكانها، ما يجعل السؤال الأهم ليس ما إذا كانت إيران سترد على الولايات المتحدة وإسرائيل، بل كيف ستتغير بنية الحكم في إيران تحت ضغط الحرب.
اقحام دول الخليج
وفي ما يتعلق بالخلفية الداخلية للتصعيد، قال الخزاعي إن دول الخليج أُقحمت في حرب لم تكن طرفا في صناعتها، رغم محاولاتها إقناع واشنطن بتأجيل العمل العسكري. واعتبر أن جزءا أساسيا من تفسير المشهد الراهن يعود إلى التحولات الداخلية في إيران نفسها، مشيرا إلى أن وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي أدت عمليا إلى انتقال النفوذ، بصورة غير مباشرة، إلى الحرس الثوري الإيراني، وهو ما أعاد تنشيط شبكات الوكلاء في المنطقة وفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطرابا.
وتابع أن المؤشرات الصادرة من داخل إيران تعكس حجم هذا الارتباك، لافتا إلى تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن القوات المسلحة الإيرانية أصبحت “مستقلة ومعزولة إلى حد ما” بعد وفاة المرشد، وهو ما يشي بأن القيادة المركزية لم تعد متماسكة كما كانت، وأن الانسجام داخل هرم القرار الإيراني تراجع بصورة واضحة. وقال إن ما كان متوقعا أن يكون ردا إيرانيا محسوبا ومتناسبا، تحوّل إلى هجوم واسع على دول الخليج استهدف المدنيين والممتلكات العامة، في ظل تصاعد التهديدات الموجهة إلى البنى التحتية الحيوية.
وأشار الخزاعي أيضا إلى أن المشهد لا يقتصر على التهديدات الخارجية، بل يتداخل مع ضغوط داخلية تواجهها بعض دول الخليج، خصوصا مع تصاعد التظاهرات التي تنظمها جماعات موالية لإيران في البحرين. وأوضح أن هذه التحركات تفرض على الحكومات أعباء إضافية، لأنها تضطر إلى توزيع تركيزها بين مواجهة التهديد الخارجي والحفاظ على الاستقرار الداخلي. وشدد على أن التعامل مع هذه التحركات يحتاج إلى دقة وكفاءة، بهدف احتوائها من دون دفع الأوضاع إلى مزيد من التوتر، مضيفا أن دول الخليج أظهرت حتى الآن قدرا لافتا من ضبط النفس، لكن استمرار هذا النهج يظل موضع اختبار مع استمرار إيران في التصعيد.
مسارات محتملة
وحول المسار المحتمل للأزمة، قال الخزاعي إن المنطقة تقف أمام لحظة شديدة الخطورة، يتقاطع فيها عدم الاستقرار الإقليمي مع الضغوط الداخلية ومخاطر الانفلات العسكري. وأوضح أن الصراع يتجه تدريجيا من نمط الضربات المباشرة بين الدول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، في ظل عمل الوحدات العسكرية الإيرانية بهامش أكبر من الاستقلالية بعد وفاة خامنئي. وأضاف أن تبني استراتيجية دفاعية من النوع الذي تحدث عنه عراقجي رفع احتمالات تنفيذ هجمات مفاجئة ضد البنى التحتية الحيوية ومراكز الطاقة إلى مستويات حرجة، خاصة مع الموقف السعودي المعلن بأن أي هجوم مصدره إيران سيُقابل برد صارم.
وختم الخزاعي حديثه لموقع بكرا بالقول إن التحدي الأكبر الذي يواجه دول الخليج اليوم يتمثل في إدارة معادلة مزدوجة شديدة التعقيد: الحفاظ على جاهزية منظومات الاعتراض في مواجهة أسراب الصواريخ والهجمات غير المتوقعة، وفي الوقت نفسه حماية الاستقرار الداخلي من تأثير تعبئة القوى الموالية لإيران. وأكد أن سياسة ضبط النفس ساهمت حتى الآن في منع انفجار مواجهة أوسع، إلا أن استمرارها ليس مضمونا في ظل الضغط غير المسبوق الذي تتعرض له البنية الأمنية الإقليمية. وقال إن مسار الصراع في المرحلة المقبلة سيتوقف على قدرة إدارة الأزمات واحتواء التوتر على كبح اندفاعة المواجهة، مضيفا أن الدبلوماسية لم تعد في هذه اللحظة أداة رئيسية لخفض التصعيد، بل تحولت إلى وسيلة ثانوية لإدارة التوتر، فيما تستعد المنطقة لمواجهة جار قد يتصرف على أساس أنه لم يعد لديه ما يخسره.
[email protected]
أضف تعليق