دخل رمضان هذا العام محمّلًا بفيضٍ من الأعمال الدرامية، غير أنّ "مولانا" بدا بحسب ما سمعته قبل المشاهدة كأنه الاستثناء الذي لا يجوز تفويته, مسلسل من إخراج سامر البرقاوي وبطولة تيم حسن، نور علي, منى واصف واخرون.
جرعة مديحٍ من الأصدقاء تكفي وحدها لدفع أيّ متردد إلى التراجع عن قناعته. وأنا، الذي عزفت على عدم متابعة المسلسلات العربية منذ سنوات (إلا ما شذّ من أعمال الليث حجو ود. ممدوح حمادة) قررت أن أشاهد هذا "العمل الفريد" بنفسي…
وبعد مشاهدة الحلقات الست الأولى من المسلسل, خرجت بانطباعٍ مغاير تمامًا عمّا سوُّق لي:
"مولانا" عملٌ يطلب من المشاهد أن يعلّق عقله على شماعة التشويق، ثم يطالبه بالتصفيق للفراغ.
بدأت الحلقة الأولى بافتتاحيةٍ غامضةٍ باردة؛ والغموض ليس عيبًا في ذاته إن كان وعدًا بمكافأة لاحقة، لكن المشكلة أنّ الوعد لم يُنجَز، وأنّ الغموض تحوّل إلى ستارٍ تُغطّى به عثرات السرد لا إلى بابٍ يُفتح على معنى.
لدغة الجيم: نكتة قسرية بلا وظيفة درامية
أبدأ بما يشبه "التفصيلة اللطيفة" التي أرادها العمل علامةً فارقة للبطل: اللدغة في حرف الجيم. لكن السؤال البسيط الذي لا يجيب عنه المسلسل: ما جدواها أصلًا؟
فعدى عن كونها وُجدت لتضفي للمسلسل نكهة " تريند" فهي لا تُضيف عمقًا نفسيًا، ولا تُحيل إلى تاريخٍ أو عقدةٍ أو سياقٍ اجتماعي، بل تُستعمل غالبًا كأداةٍ لالتقاط ضحكةٍ عابرة أو لتخفيف عبء "دراما قاسية" لا تبدو موجودة أصلًا.
فتصبح اللدغة هنا حيلة شكلية: علامةٌ تُشير إلى نفسها فقط، لا إلى معنى.
الليمون: رمزٌ مُفتعل واستعارةٌ مستعارة
ثمّة إصرار محيّر على حضور الليمون مع البطل: يلعقه بطريقةٍ منفّرة ويتعطّر به وكأننا أمام "توقيع إخراجي" بالغ الذكاء. لكنه في الحقيقة توقيعٌ يفيض بالافتعال أكثر مما يفيض بالدلالة.
لا يخدم الليمون بناء العالم ولا بناء الشخصية، بل يبدو كأنه محاولة فقيرة لاستنساخ رمزيةٍ سينمائية معروفة على شاكلة البرتقال في مشاهد العنف بـ”العرّاب” لكوبولا لكن دون فهمٍ لشروط الرمزية: هناك كانت الفاكهة جزءًا من لغةٍ بصرية تتكرّر وتُنذر وتُراكم توترًا، أما هنا فالليمون مجرّد "إكسسوار" يُفرض على المشهد ليبدو عميقًا فيفضح سطحه.
التحوّل الإجرامي الخاطف: قفزةٌ فوق المنطق
كيف لشخصٍ بسيط يعمل حفّارًا للقبور, لا حول له ولا قوة أمام صهره العامل في قوى الأمن, أن يتحول في حلقةٍ واحدة إلى كائنٍ ذي طفرة إجرامية حادّة؟
أن يعرّي رجلًا التقى به لتوّه في القطار، وأن يرتدي ملابسه وينتحل هويته كاملة، ثم يذهب إلى قريته متقمّصًا الشخصية ؟!
ثم ينقله إلى ضيعته عقيدٌ في الجيش لا أقلّ, في ظرفٍ أمنيٍّ حالك, دون أن يطلب العقيد ورقةً ثبوتية واحدة ممن يُفترض أنه سيبيع له أرضه وبيته!
هذه ليست جرأة سردية، بل انعدام توازن لشخصية تُدفَع إلى أفعالٍ كبرى دون تأسيس، والصدفة تُستعمل كرافعةٍ للحبكة بدل أن تكون اختبارًا للشخصية , هكذا يصبح العالم الدرامي مرنًا حدّ التسيّب: أيّ شيء يمكن أن يحدث لأن الكاتب يريد أن يحدث.
القرية وأهلها: تبسيطٌ جارح وكاريكاتير اجتماعي
نصل إلى وصول مولانا "للعادلية" حيث يستقبله أهلها البسطاء وينصبونه "مولًا" عليهم في مشهدٍ أقرب إلى طقس تنصيبٍ لا إلى تفاعلٍ بشري منطقي وطبيعي.
هنا تبدو - بحسب قراءتي المتواضعة - محاولة لتصوير سكان الأرياف السورية ككتلةٍ من السذاجة والتخلّف: يتبعون الدين بلا سؤال ولا شك، ويسيرون إلى المجهول كأن أمور حياتهم تافهة، وكأنهم كانوا ينتظرون هذه الزيارة تحديدًا لتبدأ الحياة الآن.
المشكلة ليست في "بساطة" الناس, فالبساطة ليست عيبًا, بل هي تُجمّلنا غالباً, المشكلة في طريقة تصويرها كمرادفٍ لغياب العقل والكياسة والفطانة !
الدراما الجيدة تُنصف الشخصيات حتى وهي تنتقدها, أما هنا فالنظرة من علٍ تُحسّس المشاهد أن القرية ليست عالمًا له منطقه، بل خلفيةٌ لتلميع الزائر الاستثنائي.
المحراب والتلاوة: أداءٌ لا يُقنع… وتصديقٌ غير عقلاني داخل الحكاية
يدخل مولانا إلى المحراب ليؤمّ الناس، فيفاجئنا تيم حسن بمحاولةٍ بائسة لتقليد القارئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد, لكن بدلاً من أن يخلق الصوت رهبةً أو خشوعًا, يثير ضيقًا وتوترًا لدى المستمع بسبب رداءة الأداء.
وفوق ذلك، ثمة خطأٌ جوهري: ما يفعله حسن هو أقرب إلى تجويدٍ استعراضي لا إلى ترتيل الصلاة كما يُؤدّى في الإمامة فعلاً, ناهيك عن عدم وجود صلاة جهريةٍ في وضح النهار (!)
ثم يأتي المشهد الأكثر انفصالاً عن المنطق: هيامٌ وخشوعٌ مفرط من أهل الضيعة لصوته، وكأن المخرج يأمرنا أن نكذب اذاننا ونصدق عيون اهل الضيعة واذانهم.
والدراما, حين تُجبرك على هذا النوع من "التواطؤ الإجباري" أي أن تُسمي الرديء جميلًا لأن الشخصيات صفقّت له, فهي لا تخسر مشهدًا واحدًا فحسب، بل تخسر معيارها الداخلي للصدق.
شهلة: ثلاث شخصيات في حلقة واحدة… بلا جسرٍ ولا مبرّر
أكثر ما يفضح ارتباك الكتابة هو انقلاب "شهلة" على ذاتها بسرعةٍ تُشبه تبديل الأقنعة لا تطوّر الشخصية, في مساحة حلقة واحدة, نراها تخاف من مولانا, ثم تصعقه وتربطه بالكرسي, ثمّ تتفق معه ببرودةٍ مذهلة أنه المنقذ, ناهيك عن شبه تجاهلها لمقتل أخيها الوحيد !
أفهم المطلب الدرامي, وهو الوصول إلى تحالف اضطراري, لكن الحل المطروح كتابيًا وإخراجيًا بائس ولا يمت للواقعية بصلة، لأنه يلغي المنطق النفسي لصالح اختصاراتٍ كسولة.
لباس شهلة: استفزاز بصري خارج المكان والروح
يُقدَّم المسلسل على أرضيةٍ صوفية/درويشية وضمن بيئةٍ ريفية لها مناخها الاجتماعي وذائقتها, ومع ذلك, يظهر لباس شهلة (بالتنورة القصيرة والشبّاح) كأنه قادم من عالمٍ آخر: لا يخدم فكرةً رمزية واضحة، ولا ينسجم مع البيئة، ولا يحترم منطق العالم الذي يزعم المسلسل أنه يبنيه.
مولانا بلا مسجد: الغائب الأكبر في مسلسلٍ ديني المزاج
أين المسجد؟ كيف لمسلسلٍ يراهن على شيخٍ وتأثيره الروحي أن يُقصي المكان الطبيعي لحضوره؟ لا نكاد نرى مولانا يصلي في المسجد أو يلتقي الناس فيه، رغم أنّ البلدة تُقدَّم على كونها صوفية, أم تحوّلت الصوفية إلى ديكور لفظي ؟
شخصية البطل: من "ذكاء إجرامي" إلى تابعٍ بلا ملامح
في بداياتٍ ما, تُرسم الشخصية بملامح مبادرة وذكاء, ثمّ فجأة يتحول إلى تابعٍ يدور في فلك شهلة والست جورية دون صراعٍ داخلي مقنع، ودون مقاومةٍ تليق بما قُدّم عنه, فتغدو الشخصية دمية تحركها الحبكة.
التصوير والمونتاج: أخطاء أداء لا مشكلة جودة
المشكلة ليست في جودة الصورة بل في منطقها: كيف يرى العقيد مولانا من منظارٍ من مسافة بعيدة, وفي المقابل نرى مولانا ينظر للعقيد "من خلال عدسة المنظار" وكأنهما يتبادلان نفس العين؟ هذا خلل في بناء المشهد البصري, ذكرني صدقاً في بعض الأفلام الهندية.
أما الجرافيكس في بداية الحلقة السادسة, عند العودة للفترة العثمانية فجاء ضعيفًا ومفككًا, لا يليق بمعايير اليوم ولا حتى بأدواتٍ باتت متاحة للهُواة خارج الاستوديوهات.
الخلاصة:
"مولانا" يملك بذرة فكرة قابلة للإغراء, تداخل السلطة بالدين, والهيبة بالخوف, والروحاني بالدنيوي.
لكن التنفيذ يبدّد الفكرة بدل أن يراكمها: رموز مُفتعلة ، تحولات بلا جسور، قفزات فوق المنطق، نظرة كاريكاتيرية للبيئة، ومشاهد تُجبر المشاهد على تصديق ما لا تُقنعه به, ليس عيب المسلسل أنه "غير ممتع" فقط, عيبه أنه يتعامل مع عقل المشاهد كأنه تفصيلٌ ثانوي.
نبذة عن الكاتب:
محيي هيب, مخرج وصحافي يعمل في مجال الأفلام والبرامج الوثائقية والتحقيقات التلفزيونية, تتناول أعماله قضايا المجتمع العربي في إسرائيل، وتمزج بين السرد الإنساني والتحقق المهني والدقة البحثية, من أعماله البارزة سلسلة " نهاية امرأة" "ساعة الحقيقة", "الجهة الثانية" وأعمال أُخرى, يكتب محيي بالعربية والعبرية، ويقدّم قراءات نقدية للأعمال الدرامية تنطلق من البناء السردي واللغة والصورة.
[email protected]
أضف تعليق