الباحث والأديب الشيخ الدكتور محمد زيناتي

بحبشه في كتب الزمان

لا يُكلل إلا الذي انتصر ولا ينتصر إلا الذي حارب، وشعارنا من اليوم ما قاله بطرس الرسول: "سيروا زمان غربتكم بخوف"، وليس المقصود بالخوف هنا الرعب من الشياطين، إنما هو الخوف الذي يدعو إلى الحرص والتحقيق في الموضوع الذي جاء به شياطين الإنس من نصوص خرافية وقصص أسطورية، وتقدير الموروث والماضي، والرفض بأخذ أدوات جديدة للقراءة الواعية القائمة على القياس والعلم والبيان والدليل. اتباعه لما ذُكر أعلاه استوقفتني عبارة لابن جنّي عن قيمة الإجماع من حيث هو معيار للفصل في مواضع الخلاف كلما نشأت بين متعادلين، حيث يقول: "إن الإجماع على أمر يكفي أن يكون حجة بينهما إذا اتفق الخصمان منذ البداية على أن يكون حجه بينهما" ثم يؤكد ما معناه أن ما يثبت بالدليل العقلي لم يعد بحاجة للبحث عن شاهد عند القدماء يؤيده، وإذا دل الدليل فلا حاجة إلى النظير، والمعيار الأمثل هو الأخذ بالفهم الواضح والمنطق البرهاني المستمد من قوة العقل

واعتمادًا على ما ذُكر، أسألكم أيها القائمون على الأمر:

إن كنتم الذبيحة الناطقة غير الدموية، بأي حق وبأي منطق تبعدون المصلين عن مجالس الذكر بدلاً من إرشادهم ليبلغوا مدينة الأبكار أورشليم العلية مع كيفية التعامل مع الخفي

إن كنتم أيها القائمون الكواكب البهية في سماء بيعة الخالق سبحانه، بأي منطق تولون رجل دين ناقص العلم الرشاد للآخرين، فتخاطبونه بأن يكون لهم سندًا وكنفًا، وتجمعون وتشاهدون، وواسون وتوعظون، بماذا؟ بمغيبات وأساطير وخرافات؟ ثم خبأتم عن رعاياكم الجوهرة لسنين وظننتم أنها ستبقى مخبأة في حالها الخصيب الفاخر الهوية

يا سادة، قصائد الياقوت أخرجت من داخل الصندوق، ولن نرضى للرعية بعد اليوم أن تبقى تتغذى بثمر معفن موثوق، وما حال رعاياكم اليوم إلا نتاج أفعالكم الرديئة

أخوتي وأخواتي، سأل أحدهم: هل نحصل على رضا الخالق سبحانه بمجرد قراءة الكتب المقدسة، وتحديدًا حفظها غيبا؟ فأجاب: أوراق التقويم الهندية مليئة بتحديد الأيام التي تُطلب بها الأمطار، لكن إن عصرت جميع هذه الأوراق لن تحصل على نقطة ماء واحدة، وكذلك مجرد تلاوة الكتاب غيبا مع التجديد بالببغائية دون فهم وتحليل غير كاف لجعل الإنسان متقدمًا في روحانياته. والخالق لا يريد الإنسان الذي يسلم ويردد دون فهم مع إغلاق العقل، بل يخاطب هذا العبد قائلاً: "أيها الأحمق خلقت لك عقلًا لتفكر، فأنت صاحب الأمانة التي لم تحملها الجبال. أنا لا أريدك عبدًا فارغًا، بل عبدًا باحثًا ومفتشًا عن الحقيقة، يقرأ بالعقول والمصائب لا بالعيون"

أيتها الشمس الساطعة، جعلتم نقطة الأبكار زعاماتكم الدينية، قانونها حفظ الإخوان ومرسومها مخافة الله، وما حقيقتكم ونقطة الأبكار؟ تحملنا إلى قاعدة التوريث، حتى لو لم يكن الوارث مستحقًا، مع الأخذ فقط بالعائلية، وبنيتم قانونكم هذا على بيت الشعر للملك المعز لدين الله: "إذا غاب منا سيد قام سيد // يقيم حدود الدين والشرك يهدم"

كفى حكمًا على النفوس بأنها غير قادرة على حمل الجواهر، أنصفوا نفوسكم ولا تجوروا عليها، وإن كنتم لا تؤمنون بما تريدون فعار عليكم أن تطلبوا من رعيتكم الإيمان بما لا تؤمنون، وتركها كالعيمان، ومحذرين إياهم من الاقتراب لمجدكم الذي جعلتموه فخًا لمن تسول له نفسه الاقتراب إليه

ليكن بعلمكم أن جبر خواطركم بالدليل العقلي مرفوض رفضًا باتًا إذا كان الدليل غير قائم على أسس ودلالات وأبحاث حكمتها العاطفة لا العقل، والالتزام بها لا يكون إلا عند أصحاب الإيمان الطفولي، أصحاب النظرة الضيقة والعقلية المتحجرة والتي تسمح لهذا الإيمان بالانسحاب في متاهات التعظيم والتسجيل، وأبوهم إرضاء للهوى، وأما أساسها فهو مبدأ فريسيّ القائل بتقديم التقاليد على الشريعة. فنرى شاؤول يقول: "كنت أوفر غيرة في تقليد آبائي وكنت محاربة مستميتًا لكل فكر معارض لتقليد الآباء"

أنا لا أتحدث عن فئة دينية محددة، بل عن الجاري على أرض موسى واحد، واليهود أصبحوا مئة حلف، والمسيح واحد، والنصارى أصبحوا ألف حزب، والرسول واحد، والسلام ضاع بين السنة والشيعة وسبعون قسم، والدور آتٍ إلينا نحن الموحدون إذا لم نتصرف بسرعة، وخير دليل ما يحصل في سوريا

كفى شحنًا لصدور الأدميين بشحنات اعتبرتموها مكرمات ومميزات، وحقيقتها أساطير وخرافات، وما إن ينكشف الغطاء عنها سيرزقك كأنها الفاسد، لكن بها أغلقتم العقول ونزعتم قوة الإدراك التحليلي، وأضحى التسليم بها أمرًا محترمًا، وأبقتم رعاياكم على السطح

إذا كان لفيثاغورس مكانة مرموقة في قلوبكم، فبربكم لماذا لا يكون محل اعتزاز وتشجيع للفتيات والشبان بالتعليم الجامعي من الفلسفة والآداب إلى التكنولوجيا والطب والهندسة، مما يرفع نموذج الإحداثيات الفكرية في مجتمع يفتقر للقدرات الأكاديمية

انتهى عصر النظر إلى الفتيات على أنهن مجرد "دجاجة مسربة"، كفى الأخذ بثقافة الأموات وتقدير الموروث المشؤوم، أحد الفلاسفة قال: "لو كان بيد اليمنى للخالق الحقيقة وبسرعة البحث الدؤوب عنها، ثم خُيرت بينهما، لجثوت على ركبتي عند اليسرى وقلت: يا خالقي، الحقيقة الكبرى لا تليق إلا لمجدك"، ومن أبرز تلميذات فيثاغورس كانت ثيانو

أقول لكم اليوم لكم، وأمس لكم، وأما الغد فللذين يولدون، وإن دام الحال على ما هو فترقبوا قطع الرباط، وإلقاء النير عن الأعناق، وخلع اللجام، ونبش أعماق الموجات الآتية واللاحقة، مع كشف جوف كل الدفاتر، كي نمحو حسرة الخريف في القطار، ونرمي العضو الرئيسي للمدينة الفاضلة من جديد ليصبح عقلًا ومعقولًا، بمطرقة ليست جوفاء، لينطق كل حرف غيب، واعلموا أن كسر القلم لا يمنع العين من أن تنقش على الصخر

علموا الواعظين وحملوهم ألقابًا جامعية، فكم من إمام يوجد بالدين دون شهادة، ودون أن يملك معرفة الإرشاد، احترموا الأزهر والفاتيكان ويهود أورشليم عندما قرروا أن من لا يتخرج من مؤسسة دينية بلقب أكاديمي على الأقل، لا يستطيع أن يكون كفيلاً بالإرشاد، لأنه سيهلك الأمة

يقول شاؤول الطرطوسي ومنكّم أنتم، سيقوم رجال يتكلمون بأمور ملتوية، أخوتي وأخواتي دعونا نتأمل هذا النص ونتواصل

هل عندنا رجال مثل هؤلاء بأمور ملتوية؟

أليس إخفاء الحقيقة التواء للكلام؟

أليس البقاء متجذرين بخصوص أشخاص لا تتلاءم مع عصرنا يعد الالتواء حتى بتقديرهم؟

أليس التلاعب بالكلام التواء للكلام؟ أليس من الالتواء بالكلام أن أرفع من قيمة من أنا بحضرتك وأتذكر لمن ليس بحضرتي وبعدها أفعل العكس، قمة النفاق هذه أم ماذا؟

أليس إخفاء الكتب والحقائق عن التلميذ التواء؟

أليس القيد على فئة التواء؟

أليس التهديد بالابتعاد والمقاطعة التواء؟

أليس نزاع السلطة التواء؟

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]