يعاني المجتمع العربي داخل إسرائيل منذ سنوات من تصاعد مقلق وغير مسبوق في جرائم العنف والقتل، تحوّل مع الوقت من أزمة قابلة للحل إلى أزمة بنيوية عميقة. ففي عام 2015 سُجِّلت نحو 58 جريمة قتل، أما في عام 2025 فقد تجاوز عدد الضحايا 250 قتيلًا، أي أكثر من أربعة أضعاف خلال عشر سنوات فقط. هذه القفزة لا تعكس نموًا عدديًا فحسب، بل تشير إلى تحوّل نوعي في طبيعة العنف: من أحداث متفرقة ونزاعات محلية محدودة، إلى عنف منظم وممتد تقوده شبكات منظمة واقتصاد غير رسمي.
للظاهرة نفسها عدة أسباب اجتماعية وهيكلية متعلقة بأداء المنظومات، سواء على الصعيد المحلي أو القطري، بما فيها تقاعس الحكومة والشرطة في احتواء الظاهرة. ومع ذلك، من بين الأسباب التي يمكن الإشارة إليها عند الحديث عن ظاهرة العنف هو ضعف الشمول المالي، الذي أدى عبر السنوات إلى توسّع الاقتصاد غير الرسمي وتعاظم نفوذ من يقف خلفه.
حالة الشمول المالي لدى عرب 48
الشمول المالي هو مدى إمكانية وصول الأفراد والخدمات والمشروعات إلى المنتجات والخدمات المالية الرسمية (مثل الحسابات البنكية، القروض، بطاقات الائتمان، التأمين، خدمات الدفع الرقمية وغيرها) بسهولة وكفاءة. وعلى الرغم من أن إسرائيل ككل تُعتبر من الدول ذات النسبة العالية من المتعاملين مع البنوك – حيث يمتلك نحو 95% من السكان حسابًا مصرفيًا – إلا أن المجتمع العربي يشكّل استثناءً نسبيًا من هذه القاعدة، إذ تظهر الدراسات استمرار وجود فجوة في استفادة العرب من الخدمات المالية مقارنة ببقية السكان.
تشير بيانات بنك إسرائيل وهيئات رسمية أخرى إلى عدة مؤشرات تعكس ضعف الشمول المالي لدى عرب 48:
نسبة ملحوظة من العرب بلا حسابات مصرفية: بحسب تقرير بنك إسرائيل حول الشمول المالي (2022)، حوالي 12% من الأسر العربية لا تمتلك أي حساب بنكي، وهي نسبة مرتفعة نسبيًا مقارنة بالمجتمع اليهودي، حيث تكاد النسبة تقترب من الصفر، وبالمجتمع الحريدي، حيث النسبة ضئيلة جدًا. وبعبارة أخرى، لا يزال هناك شريحة من المواطنين العرب "غير مشمولين مصرفيًا" بالكامل، ويعتمدون على التعامل النقدي أو على حسابات في بنك البريد الذي يقدم خدمات محدودة، أو على الاقتصاد غير الرسمي.
ضعف استخدام أدوات الدفع الإلكترونية والبطاقات: حتى بين الأسر التي لديها حسابات، يبقى استخدام البطاقات المصرفية منخفضًا. فقط حوالي نصف الأسر العربية تمتلك بطاقة ائتمان أو بطاقة سحب وتستخدمها في المعاملات، مقابل غالبية ساحقة في المجتمع اليهودي. يُعزى ذلك جزئيًا إلى الفجوة الرقمية في المجتمع العربي؛ حيث تبين أن مستوى استخدام الخدمات المصرفية الرقمية أقل بشكل ملحوظ لدى العرب، مما يزيد اعتمادهم على النقد والفروع التقليدية. كما أن شبكة الفروع البنكية أقل انتشارًا في البلدات العربية تاريخيًا، ما يعني صعوبة أكبر في الوصول للخدمات المالية الأساسية.
صعوبة الحصول على القروض العقارية: فقط 2% من أصحاب القروض العقارية هم عرب والعقار موجود في بلدة عربية. يواجه المواطنون العرب عوائق بنيوية في الاقتراض لشراء السكن، نتيجة لعدم تنظيم ملكية الأراضي في العديد من البلدات العربية وعقبات تسجيل البيوت رسميًا (بسبب البناء غير المرخص أو نظام المشاع العائلي). تجد البنوك صعوبة في قبول العقارات كضمان للقروض العقارية، ما أدى إلى استبدال القرض السكني بالقرض الاستهلاكي؛ إذ يضطر الكثير من العرب للاقتراض عبر قروض شخصية قصيرة الأجل غالبًا بفوائد مرتفعة لتمويل احتياجات البناء أو شراء المنازل.
تنوع محدود في مصادر الائتمان وضعف في الادخار والاستثمار: يعتمد العرب على مصادر محدودة للتمويل. غالبية القروض تأتي إما من بنوك تجارية قليلة تعمل في الوسط العربي أو من مؤسسات إقراض غير بنكية محدودة العدد. بينما لدى المجتمع الحريدي شبكة من الجمعيات التعاونية وصناديق الإقراض الاجتماعية، يفتقر المجتمع العربي إلى مثل هذه البنى. كذلك، معدلات الادخار والاستثمار المالي أقل في المجتمع العربي حتى عند ضبط المقارنة وفق الدخل، ما يعني هامش أمان مالي أضيق للأسر العربية أمام الطوارئ.
عوائق اللغة والثقافة والثقة: هناك عوامل نوعية تُضعف انخراط العرب في النظام المالي، منها حاجز اللغة؛ حيث كثير من المواد والمواقع والخدمات المالية متاحة بالعبرية والإنجليزية دون ترجمة كافية للعربية، مما يصعّب على بعض العملاء فهم حقوقهم وخياراتهم. كما توجد فجوة ثقة نتيجة شعور بعض العرب بالتمييز في تعاملهم مع البنوك. أكثر من 10% من العرب المستطلعة آراؤهم أفادوا بأن الأسباب الدينية تجعلهم يتفادون بعض الخدمات المالية، مثل القروض الربوية. عدم توفر منتجات متوافقة مع الشريعة (مثل القروض الحسنة أو التأمين التكافلي) لدى معظم البنوك الإسرائيلية يجعل بعض المواطنين عازفين عن الاقتراض أو الاستثمار عبر القنوات الرسمية. كما يُلاحظ ندرة الموظفين العرب في المناصب الرفيعة في المؤسسات المالية، مما يعيق تطوير منتجات مالية تلبي احتياجات المجتمع العربي.
جميع ما سبق يشير إلى أن قطاعًا ملموسًا من المجتمع العربي لا يزال مهمّشًا ماليًا. بعض العرب خارج المنظومة المصرفية كليًا، والكثيرون ضمنها لكن بانخراط جزئي ومحدود. يعتمد هؤلاء على النقد والمعاملات غير الرسمية، وربما على الاقتراض غير الرسمي من الأهل أو السوق السوداء بدلًا من البنوك. وبرغم مبادرات في السنوات الأخيرة لتعزيز الشمول المالي، مثل تقرير بنك إسرائيل 2022 الذي أوصى باستراتيجية قطرية، إلا أن التغيير على الأرض لا يزال في مراحله الأولى. استمرار هذه الوضعية المالية الهشة له تداعيات خطيرة ليس فقط اقتصاديًا، بل اجتماعيًا وأمنيًا.
العلاقة بين ضعف الشمول المالي وارتفاع الجريمة
تظهر أدلة متزايدة أن التهميش المالي يمكن أن يسهم بشكل مباشر وغير مباشر في تفشي الجريمة والعنف. في المجتمع العربي داخل إسرائيل، يبدو أن ضعف الشمول المالي يغذي دائرة مفرغة تؤجج المشكلة:
الاقتصاد غير الرسمي كممول للجريمة: عندما تُغلق الأبواب أمام الأفراد للحصول على تمويل رسمي، ينشأ طلب على بدائل غير رسمية قد تكون إجرامية بطبيعتها. نقص توفر الائتمان الرسمي أدى إلى ازدهار الإقراض في السوق السوداء، وغالبًا ما تديره عصابات إجرامية تفرض فوائد مجحفة وتلجأ للعنف عند التأخر في السداد، ما يقود إلى جرائم ابتزاز وقتل مرتبطة بتحصيل الديون.
الفقر والبطالة يدفعان إلى الجريمة: الأفراد الذين لديهم وصول للخدمات المالية يميلون إلى تكوين مشاريع صغيرة وزيادة مدخراتهم. أما في ظل الفقر وانعدام الفرص، يصبح البعض مستعدًا للمخاطرة بأنشطة غير قانونية لتأمين الدخل. معدل البطالة لدى العرب، خاصة الشباب، أعلى من المتوسط، ما يوفر أرضًا خصبة لتجنيدهم في أعمال مخالفة للقانون.
غياب البدائل المالية يديم اعتماد “اقتصاد القوة”: محدودية الشمول المالي خلقت "اقتصادًا موازيًا" تحكمه قوانين مختلفة عن الاقتصاد الرسمي، حيث تُحل النزاعات بالقوة الذاتية بدلًا من المحاكم، ما يعزز ثقافة العنف وحيازة السلاح. كما أن شيوع التعامل النقدي يجعل الأسواق العربية هدفًا للسرقات والسطو، بينما تقل هذه الجرائم في المجتمعات ذات التعاملات الإلكترونية.
ارتفاع حالات العنف الاقتصادي: محدودية القدرة على الوصول إلى التمويل ترفع من حالات العنف الاقتصادي، سواء ضد العمال أو ضمن الأسرة، مثل ربط الزوجة ماليًا بالزوج واستغلالها اقتصاديًا.
نماذج على نجاح الشمول المالي في الحد من العنف: دول عديدة طبقت سياسات لتعزيز الشمول المالي، مثل برنامج "بولسا فاميليا" في البرازيل، الذي أسهم في خفض جرائم القتل والإصابات العنيفة بنسب ملموسة. كذلك برامج التمويل متناهي الصغر (Microfinance) أدت إلى خفض العنف الأسري والاجتماعي، إذ يقل التوتر داخل الأسرة مع تحسن الدخل، ويكتسب الأفراد قوة تفاوضية أكبر تحميهم من الاستغلال والعنف.
خلاصة القول، هناك علاقة وثيقة بين التهميش المالي والتهميش الاجتماعي والأمني. المجتمع الذي يتمتع أفراده بفرص متكافئة للوصول إلى التمويل والخدمات المصرفية هو أقل عرضة لسيطرة الاقتصاد البديل، والمجتمع المحروم ماليًا يواجه ضعفًا في الفرص أمام شبابه، ما قد يدفع البعض إلى بدائل خطرة ومدمرة.
مقترحات لتعزيز الشمول المالي والحد من الجريمة
توسيع الوصول إلى الخدمات المصرفية الرسمية: تسهيل فتح الحسابات البنكية لكل مواطن عربي، وتوفير فروع أو وكلاء بنكيين في كافة البلدات، أو حافلات مصارف متنقلة.
تطوير منتجات مالية ملائمة ثقافيًا ودينيًا: تصميم قروض إسلامية، وتوفير المواد والخدمات باللغة العربية، وزيادة تمثيل العرب في المؤسسات المالية.
تعزيز الإقراض الميسر للمشروعات: إنشاء صناديق قروض بضمان حكومي، ودعم مؤسسات تمويل محلية تحت إشراف رسمي.
تعزيز قروض الإسكان: تقديم كفالة دولة جزئية للقروض السكنية في البلدات العربية لتشجيع البنوك على منح الرهون العقارية.
محو الأمية المالية والتثقيف المالي: إدخال برامج التثقيف المالي ضمن المناهج الدراسية، وحملات توعية عامة وورش عمل.
محاربة الاقتصاد الموازي والجريمة المالية: تعزيز دور المؤسسات الرسمية للحد من العنف المرتبط بالجرائم المالية.
تمكين الشباب اقتصاديًا: تدريب مهني مكثف للشباب، توفير وظائف مؤقتة وحاضنات أعمال، وبناء مراكز شبابية ورياضية وثقافية.
خطة طويلة الأمد لتطوير المجتمع العربي: إنشاء مؤسسات مالية تفهم وتلبي احتياجات المواطنين العرب في التأمين والتمويل.
لا توجد حلول سريعة أو منفردة لأزمة العنف التي تضرب المجتمع العربي. إنها مشكلة تراكمت عبر عقود من التهميش والإهمال والتوتر السياسي. لكن التجارب والدراسات تؤكد أن تبني إستراتيجية شاملة – تعالج الأمن والاقتصاد والتعليم معًا – هو السبيل لكسر دوامة العنف، ويعتبر تعزيز الشمول المالي ركيزة أساسية ضمن هذه الإستراتيجية.
المؤلفة:
مروة عبد المجيد الزعبي
مهندسة صناعة واقتصادية، خبيرة في التمويل والأسواق المالية، مستشارة اقتصادية ومالية لعدة مؤسسات محلية ودولية
[email protected]
[email protected]
أضف تعليق