في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها مساعي الوساطة مع تصاعد احتمالات المواجهة، يقدّم المستشار الأول، ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية، الأستاذ عريب الرنتاوي، قراءة معمّقة للمشهد المتشكّل بين طهران وواشنطن، وانعكاساته على المنطقة والعالم. وفي لقاء مع موقع بكرا، تناول الرنتاوي موازين القوى، وأدوار الوسطاء، وحدود الخيارات العسكرية والسياسية المطروحة.

وفي حديثه لموقع بكرا، قال عريب الرنتاوي إن ضجيج الحراك الدبلوماسي بات يطغى على قرع طبول الحرب، فيما تدخل المنطقة والعالم ما يشبه “ربع الساعة الأخير” في السباق المحموم بين السياسة والميدان.

وأشار إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقف في بؤرة تجاذبات حادة بين فريقين من حلفائها؛ الأول تقوده “ثلاثي الوساطة” الذي عمل على ملفات غزة لأكثر من عامين، ويضم مصر وقطر وتركيا، إلى جانب طيف واسع من الدول العربية والإسلامية، في مسعى واضح لدرء الحرب والانتقال من الخنادق إلى موائد التفاوض.

وأضاف أن الفريق الثاني تقف فيه إسرائيل وحدها، إذ تدفع تل أبيب باتجاه خيار “الضربة النهائية”، بغضّ النظر عن العواقب والتداعيات، انطلاقًا من تقدير موقف يعتبر أن الفرصة مواتية لإسقاط النظام في إيران، وأن هذه النافذة قد لا تتكرر.

حسابات الإقليم ومخاوف الانفجار الشامل

وأوضح الرنتاوي أن التحرك العربي والإسلامي يستند إلى قناعة راسخة مفادها أن أي حرب، إن اندلعت، لن تقتصر آثارها على الجغرافيا الإيرانية، بل ستطال الإقليم برمّته، لا سيما بعد أن أوضحت طهران، وفق تعبيره، أن “الضربة التالية” ستستهدف تل أبيب والقواعد الأمريكية في المنطقة.

وأضاف أن إيران، ورغم التأكيدات التي تلقتها من دول مجاورة تستضيف وجودًا عسكريًا أمريكيًا بعدم استخدام أراضيها أو أجوائها في أي عدوان، ما زالت تبدي قدرًا كبيرًا من الشك، ليس فقط في صدقية هذه الالتزامات، بل في قدرة تلك الدول فعليًا على منع واشنطن من استخدام قواعدها عند اندلاع المواجهة.

وأشار إلى أن دول المنطقة، كما واشنطن، تدرك أن عجز إيران عن استهداف الولايات المتحدة في عمقها أو في قواعدها البعيدة، سيدفعها إلى استهداف ما هو في متناول صواريخها ومسيّراتها، حتى لو كانت أهدافًا غير منخرطة مباشرة في العمليات العسكرية، وهو ما يضع إسرائيل والقواعد الأمريكية في الدول المجاورة في دائرة الخطر.

وحذّر الرنتاوي من أن القلق الأعمق يتصل بإمكانية لجوء إيران، في حال وصلت الحرب إلى “فصولها الأخيرة”، إلى خيارات قصوى، من بينها تهديد الممرات الملاحية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، وربما باب المندب، ما سيدخل العالم في واحدة من أشد أزمات الطاقة قسوة، مع ما يعنيه ذلك من آثار مباشرة على دول الخليج ومصر والاقتصاد العالمي برمته.

إسرائيل والرهان على "اليوم التالي"

وفي المقابل، قال الرنتاوي إن حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل تبذل جهودًا مكثفة لإحباط مساعي الوساطة والحل السياسي، مدعومة بلوبياتها في الولايات المتحدة والعالم، وتسعى إلى قطع الطريق على المفاوضات والدفع نحو المواجهة العسكرية الشاملة.

وأوضح أن إسرائيل وحدها تريد حربًا نهائية لا تنتهي إلا بإسقاط النظام، معتبرة أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في البرنامج النووي أو الصاروخي الإيراني، بل في بقاء النظام نفسه، القادر – من وجهة نظرها – على إعادة بناء عناصر قوته حتى بعد أي ضربة قاسية.

وأضاف أن تل أبيب لا تبدي أي اكتراث بتداعيات “اليوم التالي”، بل ترى في سيناريو الفوضى والتقسيم والحروب المتناسلة نتائج مرغوبة، تخدم نظريتها للأمن القومي، وتنسجم مع مشروعها القائم على تفتيت المنطقة إلى كيانات متناحرة.

وأشار إلى أن واشنطن، رغم حشدها العسكري، لا تشاطر إسرائيل هذا الهدف النهائي، فترامب – بحسب الرنتاوي – يفضّل ضربة جراحية خاطفة ذات أثر كبير، ويتجنب الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد، لما تحمله من أثمان سياسية وعسكرية داخلية.

ثلاثة سيناريوهات مفتوحة

وحول المسارات المحتملة، قال الرنتاوي إن المشهد ما زال مفتوحًا على ثلاثة سيناريوهات رئيسية: الأول، الذهاب نحو تسوية تفاوضية استجابة لجهود الوساطة الإقليمية، وهو سيناريو مرجّح بنسبة لا تقل عن 50 بالمئة، خاصة إذا أبدت طهران مرونة سياسية كافية. الثاني، تنفيذ عملية عسكرية محدودة وسريعة، تهدف إلى ترجيح كفة “التغيير من الداخل” على المدى الطويل، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. أما الثالث، وهو الأقل ترجيحًا، فيتمثل في التساوق الكامل مع الرغبة الإسرائيلية في شن حرب واسعة تنتهي بإسقاط النظام، مع ترك المنطقة لمآلات مفتوحة على الفوضى.

وختم الرنتاوي بالقول إن الفرصة ما زالت قائمة أمام دول الإقليم لتفعيل دورها الإيجابي وتعظيم فرص الحل السياسي، مشيرًا إلى أن ما يُقال في العلن قد يختلف عما يدور في الغرف المغلقة، وهو ما يمنح الوسطاء هامشًا إضافيًا للتحرك، ويزيد في المقابل من قلق إسرائيل واندفاع قيادتها الأكثر تطرفًا.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]