طوّر باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) كبسولة دوائية مبتكرة قادرة على بث إشارة لاسلكية من داخل المعدة بعد وقت قصير من ابتلاعها، بهدف تأكيد أن المريض تناول الدواء بالفعل. ويأتي هذا التطوير في إطار الجهود لمعالجة مشكلة عدم الالتزام بتناول الأدوية، التي تُعد من أبرز التحديات التي تواجه أنظمة الرعاية الصحية حول العالم.
ووفق معطيات نُشرت عبر MIT، فإن عدم الالتزام بالعلاج الدوائي يتسبب سنويًا في نحو 125 ألف حالة وفاة يمكن تفاديها في الولايات المتحدة وحدها، إضافة إلى تكاليف تتجاوز 100 مليار دولار. الدراسة التي عرضت الكبسولة الجديدة نُشرت في مجلة Nature Communications العلمية، وأشار الباحثون إلى أن التقنية لا تزال تجريبية وقد اختُبرت حتى الآن على نماذج حيوانية.
كيف تعمل الكبسولة؟
تبدو الكبسولة كحبّة دواء عادية، ويمكن دمجها مع أدوية موجودة من دون تغيير طريقة تناولها. داخلها توجد هوائيّة لاسلكية صغيرة جدًا مصنوعة من الزنك والسليلوز، وهما مادتان تتحللان داخل الجسم. الهوائيّة متصلة بشريحة تعريف بترددات الراديو (RFID) صغيرة للغاية، يُفترض أن تمر عبر الجهاز الهضمي وتُطرح من الجسم بشكل طبيعي.
ولمنع بث الإشارة قبل البلع، تُغطى الكبسولة بطبقة خاصة تعمل كـ"قفص فاراداي" يمنع خروج الإشارة. بعد وصول الكبسولة إلى المعدة، تتحلل هذه الطبقة، يتحرر الدواء، وتبدأ الهوائيّة بالعمل. وخلال نحو عشر دقائق يمكن التقاط الإشارة بواسطة جهاز استقبال خارجي، ما يؤكد عملية الابتلاع.
ليس "حلًا سحريًا"
البروفيسور جيوفاني ترافيرسو، أحد كبار الباحثين في الدراسة، قال إن الهدف هو مساعدة المرضى على تلقي العلاج الذي يحتاجونه وتحسين نتائجهم الصحية. وأوضح أن فريقه يعمل منذ سنوات على تطوير كبسولات يمكنها البقاء في الجهاز الهضمي لفترات طويلة وإطلاق الأدوية بجرعات محددة، لكن هذا الحل لا يناسب جميع أنواع الأدوية.
من جهته، أشار البروفيسور ران بليتسر، مسؤول الابتكار في "كلاليت" للخدمات الصحية، إلى أن عدم الالتزام بتناول الأدوية يُعد من أعمق المشكلات في أنظمة الصحة. وأضاف أن أي تقنية تحاول معالجة هذه المشكلة تُعد خطوة إيجابية، شريطة أن تكون متاحة من حيث التكلفة وموجهة للحالات التي قد يؤدي فيها تفويت الجرعات إلى أضرار صحية كبيرة.
تحدٍّ عالمي معقّد
تشير التقديرات إلى أن نحو نصف المرضى المصابين بأمراض مزمنة لا يلتزمون بالعلاج كما هو موصوف. وقد تكون العواقب خطيرة في بعض الحالات، مثل علاج فيروس HIV أو مرض السل، حيث يؤدي عدم الانتظام في تناول الدواء إلى مضاعفات صحية وزيادة خطر انتقال العدوى.
وتوجد اليوم وسائل مختلفة لمتابعة التزام المرضى، منها التقارير الذاتية، بيانات صرف الأدوية، عبوات ذكية، وحتى حساسات إلكترونية تُبتلع مع الدواء. لكن كثيرًا من هذه الوسائل يتطلب مشاركة فعالة من المريض أو يعتمد على مكونات إلكترونية لا تتحلل داخل الجسم، ما يثير مخاوف صحية وبيئية.
ويؤكد الخبراء أن أسباب عدم الالتزام متعددة، تشمل الآثار الجانبية، تعقيد الجرعات، صعوبات التذكر لدى كبار السن، الكلفة، أو عدم فهم أهمية العلاج. لذلك، يرى مختصون أن الكبسولة الذكية قد تكون أداة مساعدة مفيدة لبعض الحالات، لكنها لا تمثل حلًا شاملًا للمشكلة، خاصة إذا كانت تكلفتها مرتفعة.
ومع استمرار الأبحاث، يأمل العلماء أن تسهم هذه التكنولوجيا في تحسين التزام المرضى بالعلاج، خصوصًا في الحالات التي يتطلب فيها نجاح العلاج دقة عالية في مواعيد الجرعات.
[email protected]
أضف تعليق