بمناسبة اليوم العالمي للتعليم، الذي صادف 24 كانون الثاني، يسلّط عدالة الضوء على أبرز الملفات القانونية التي تكشف عن انتهاكات منهجية واسعة النطاق لحق الأطفال العرب في الداخل الفلسطيني في التعليم. هذه الانتهاكات ليست عَرَضية، بل هي نتاج عقود من الإهمال، والتقليصات الحادة في الميزانيات، والتشريعات والسياسات التمييزية التي تُفاقم انعدام المساواة وتُلحق ضرراً بالغًا بالفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك الأطفال البدو، والأطفال ذوو الإعاقة، والأطفال الذين يعيشون في الفقر.
من بين 2.1 مليون فلسطيني في إسرائيل، يُقدَّر عدد الأطفال بنحو 785 ألف طفل، ما يشكّل نسبة كبيرة من مجمل فئة الشباب في البلاد. ويُقدَّر عدد الأطفال الفلسطينيين المعترف بإعاقتهم رسميًا بنحو 56 ألف طفل. ورغم ارتفاع معدلات الإعاقة لديهم مقارنةً ببقية السكان، الأمر الذي يتطلب دعمًا حكوميًا أوسع، إلا أن الأطفال العرب يحصلون على موارد أقل بكثير. وتؤدي الفجوات المستمرة في التمويل ومحدودية الوصول إلى خدمات التعليم الخاص الملائمة إلى تفاقم التحديات، في حين يعمّق الفقر الواسع نطاق الأزمة. ففي عام 2023، شكّل الفلسطينيون أكثر من 42% من إجمالي الفقراء في إسرائيل، في حين لم تتجاوز نسبة الفقر في مجمل السكان 20%. ومنذ اندلاع الحرب في 7 تشرين الأول 2023، تدهورت أوضاع هؤلاء الأطفال وعائلاتهم بشكل حاد. ولا تزال سياسات الدولة تحرم الأطفال في الداخل الفلسطيني من الموارد الحيوية، مُلحقةً ضرراً بالغًا بمن هم أكثر عرضةً للخطر، سواء في البلدات العربية أو في المدن العربية-اليهودية المختلطة.
تتواجد هذه الفجوات داخل نظام تعليمي منفصل في إسرائيل يفصل بين الطلاب الفلسطينيين والطلاب اليهود، ويخضعهم لأطر تنظيمية مختلفة. وبدلاً من معالجة أوجه التمييز البنيوي المتجذرة، عمّقت الحكومة الإسرائيلية الحالية عدم المساواة. ففي كانون الأول 2025، قلّصت الحكومة نحو 220 مليون شيكل من البرامج الاجتماعية والتعليمية المخصصة للمواطنين الفلسطينيين، وحوّلت هذه الأموال إلى جهاز الأمن العام (الشاباك) والشرطة. ويرى عدالة أن هذا القرار يأتي في سياق سياسة أوسع لعسكرة المجتمع الفلسطيني وتكثيف الرقابة والشرطة عليه، بدلًا من معالجة الجذور الحقيقية للتمييز البنيوي وعدم المساواة، بما في ذلك النقص المزمن في تمويل التعليم.
ملاحقة المعلمين العرب وسحب الميزانيات من المدارس
تُعمّق تشريعات عنصرية جديدة انتهاك حق الأطفال الفلسطينيين في التعليم. إذ يمنح قانون سُنّ مؤخرًا وزارةَ التربية والتعليم صلاحيةَ فصل المعلمين استنادًا إلى معايير فضفاضة وذات دوافع سياسية، ما يُتيح ملاحقة المعلمين الفلسطينيين في الداخل وسكان القدس المحتلة، دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة. كما يسمح القانون للسلطات بسحب الميزانيات من المدارس استنادًا إلى ادعاءات لا أساس لها من الصحة بـ"التماهي مع أعمال أو منظمات إرهابية".
يطعن عدالة في هذا القانون أمام المحكمة العليا نيابةً عن هيئات تُمثّل المجتمع الفلسطيني في الداخل، بما في ذلك لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية. وفي كانون الأول 2025، أصدرت المحكمة أمرًا مشروطًا يُلزم الدولة بتوضيح أسباب عدم إلغاء القانون وبيان مدى استيفائه لمعايير الدستورية.
توفير المواصلات المدرسية
يواجه الأطفال العرب البدو في النقب عقبات جسيمة ومنهجية تحول دون ممارستهم لحقهم في التعليم. ففي عدد من القرى البدوية، علّقت وزارة التربية والتعليم خدمات النقل المدرسي، ما أجبر الأطفال على السير لمسافات طويلة في ظروف خطرة، وغالبًا في انتهاك مباشر لتعليمات الوزارة نفسها.
في أيار 2025، وفي أعقاب التماس قدّمه عدالة، أمرت المحكمة الإدارية في بئر السبع بإعادة المواصلات الممولة من الدولة لـ50 طفلًا من قرية بير هداج في النقب، وذلك بعد توقف خدمات النقل المدرسي في بداية العام الدراسي 2024–2025. وفي ظل غياب الحافلات، اضطر الأطفال إلى السير على طرق غير معبّدة وخطيرة، معرّضين لحركة المرور والكلاب الضالة والظروف الجوية القاسية. وقضت المحكمة بأن وزارة التربية والتعليم، في قرارها بوقف خدمات النقل، لم تأخذ بعين الاعتبار كيفية وصول الأطفال إلى مدارسهم. واستنادًا إلى هذا القرار، قدّم عدالة التماسًا آخر في كانون الأول 2025 للمطالبة بإعادة المواصلات لـ60 طفلًا من قرية أبو قرينات، حيث أُوقفت الخدمة — التي كانت قائمة منذ 15 عامًا — بشكل مفاجئ. وحُدّدت جلسة استماع للنظر في الالتماس في 8 شباط 2026
.
لا تقتصر سياسة التمييز في المواصلات المدرسية على النقب فحسب. ففي كانون الأول 2025، قدّم مركز عدالة التماسًا إلى المحكمة الإدارية في حيفا نيابةً عن تلميذين فلسطينيين متفوّقين من شفاعمرو، مُنعا من الوصول إلى مدرستهما المعتمدة في المغار، على الرغم من وجود إرشادات واضحة من وزارة التربية والتعليم بهذا الشأن. وبرّرت وزارة التربية والتعليم قرارها بضيق الميزانية، وهو ما يتعارض مع توجيهاتها الداخلية. وحُدّدت جلسة استماع للنظر في القضية في 10 شباط 2026.
أطر تعليمية ملائمة للأطفال على طيف التوحّد
في آب 2025، قدّم عدالة التماسًا إلى المحكمة الإدارية في القدس باسم 177 طفلًا على طيف التوحّد وعائلاتهم، وذلك بعد أن رفضت وزارة التربية والتعليم تجديد ترخيص مدرسة الشروق في عرابة. لِسنوات، وفّرت المدرسة إطارًا تعليميًا علاجيًا متكاملًا، من الروضة وحتى المرحلة الثانوية. وقد شكّل إغلاقها تهديدًا لسلامة الطلاب، وألحق ضررًا باستمرارية تعليمهم، وسلب الأهالي حقهم في أي اختيار حقيقي.
وفي أيلول 2025، أمرت المحكمة الوزارة بإيجاد أطر بديلة ملائمة لجميع الأطفال الذين لم يتم إلحاقهم بعد بمؤسسات تعليمية مناسبة، على الفور، بما يضمن استمرارية التعليم والعلاج الضروري لتطوّرهم، وضمان حق العائلات في الاستئناف على قرارات إلحاق الأطفال بأطر بديلة، وإشراك لجنة أولياء الأمور في عملية اتخاذ القرار.
إتاحة المسارات العلمية في المدارس الثانوية العامة
طلاب فرع علوم وتكنولوجيا في مدرسة الكرمة في حيفا خلال زيارة تعليمية إلى مركز أبحاث علمي في المدينة، 13 تشرين الثاني 2025.
في أيلول 2025، قدّم عدالة التماسًا إلى المحكمة المركزية في حيفا باسم طلاب حُرموا من الالتحاق بمسارات علوم معترف بها في المدارس الثانوية الحكومية، وهو مسار يُعدّ بوابةً رئيسيةً للتعليم العالي والعديد من المهن. إذ تؤدي سياسات تمييزية بنيوية إلى توجيه طلاب عرب من خمس مدارس ابتدائية وإعدادية في حيفا إلى مدرستين ثانويتين حكوميتين فقط، تقدّم إحداهما مسارًا علميًا محدودًا، ما يحرم طلابًا مؤهّلين من هذا المسار الدراسي الحيوي.
وخلال جلسة الاستماع في المحكمة، التزمت كل من بلدية حيفا ووزارة التربية والتعليم بضمان وصول جميع الطلاب العرب المؤهّلين إلى مسارات علوم معترف بها في حيفا، بدءًا من العام الدراسي 2026–2027. كما تعهّدت السلطات بفتح صفوف جديدة لتدريس العلوم، وتوفير دروس افتراضية لامتحانات الثانوية العامة باللغة العربية، ونقل طلاب إلى مدارس أخرى، وتخصيص الموارد اللازمة. ويواصل عدالة متابعة تنفيذ هذه الالتزامات لضمان تطبيقها فعليًا.
تُجسّد هذه القضايا النضال القانوني الأوسع الذي يخوضه عدالة ضد التمييز المؤسسي والمتجذّر بحق جهاز التعليم العربي، بما في ذلك في مجالات الميزانيات والخدمات والبُنى التحتية. فالتعليم حقٌّ أساسي يجب ضمانه على قدم المساواة، لما له من أهمية حاسمة لمستقبل جيلٍ كامل. ويعمل عدالة، من خلال التقاضي، على مساءلة سلطات الدولة عن سياسات الإهمال والإقصاء المتعمّدة التي لا تزال تقوّض هذا الحق، في انتهاك صارخ له.
[email protected]
أضف تعليق