الاضراب التي اعلنته لجنة المتابعة العليا للمواطنين العرب , يوم الاثنين القادم , كان نتيجة حتمية لسياسة التمييز , الاقتلاع والتشريد التي يواجهها عرب النقب والتي تمثلت بالتصويت في القراءة الاولي على اقتراح قانون برافر يوم 24 حزيران 2013. هذه السياسة لا تتوقف عند برافر بل جاء هذا القانون لتسليط الضوء على التصعيد , الغير مبرر , للحكومة والكنيست الاسرائيلي . حيث رصد مركز عدالة 50 قانونا تمييزيا وعنصريا , في المقاييس الدولية ,في كتاب القوانين الإسرائيلية. هذه القوانين هدفها تضييق الخناق على المواطنين العرب بحجج قومية , امنية وتكريس يهودية الدولة.

لقد نسيت القيادة الاسرائيلية ان لا ديمقراطية حقيقية بدون حقوق انسان وعلى رأسها حقوق الاقليات. ان استعمال الاغلبية اليهودية في الكنيست وبشكل اتوماتيكي ضد الاقلية العربية وستقبلها يضعف من مكانتها ويهدد مستقبلها في البلاد. وهذا هو شأن قانون برافر وسبقه قوانين كثيرة وأخرى على الطريق مثل : قانون "النكبة", "المواطنة", ا"لولاء" و"المقاطعة" وغيرها.

اقتراح قانون برافر يشكل قفزة نوعية في التشريع العنصري ويكاد يكون القانون الاسوأ في انعكاساته على المواطنين العرب منذ العام 1948. وباعتقادي فيما اذا قبل هذا القانون يضع دولة اسرائيل على اعتاب دولة ابرتهاد. قانون برافر هو الاخطر ليس فقط لأنه سيؤدي الى اقتلاع اكثر من 40 الف مواطن نقباوي وتشريدهم ومصادرة اكثر من نصف مليون دونم من اراضيهم وإنما لما يحمل هذا القانون في طياته من تأثيرات على مكانة العرب في هذه البلاد.

اقتراح قانون برافر يطرح امور جديدة في تعامل دولة اسرائيل مع مواطنيها العرب لم يسبق لها مثيل. لأول مرة في تاريخ دولة اسرائيل يقترح اغلاق مناطق معينة في الدولة وليس لأسباب امنية وإنما لأسباب عرقية. فاقتراح قانون برافر يمنع تعويض عرب النقب بالأرض في المنطقة الممتدة بين شارع اربعين المؤدي الى بئر السبع وساحل البحر المتوسط. كذلك يمنع القانون اقامة قرى عربية في هذه المنطقة المعروفة في منطقة النقب شمال غربي النقب ولا يستطيع عرب النقب تملك الارض في هذه المنطقة.

اقتراح قانون برافر هو سابقة تاريخية له انعكاساته على قضية املاك وأراضي مهجري الداخل. هذا القانون يقترح تعويضا ماليا على مهجري الداخل من ابناء النقب على اراضيهم ,في شمال غربي النقب, والتي صودرت بعد النكبة وتم طردهم منها. حكومة اسرائيل تحاول حسم هذا الجرح المفتوح منذ العام 1948 بمبلغ زهيد من المال لا يتعدى الاربع آلاف شيكل للدونم الواحد.

لأول مرة منذ النكبة يخطط لتهجير هذا العدد الهائل من المواطنين العرب من قراهم وفرض طريقة معيشية خاصة عليهم وضد رغبتهم. قانون برافر يطالب سكان القرى الغير معترف بها للانتقال للعيش في بلدات قائمة معترف بها في الوقت الذي يطالب سكان القرى الغير معترف بها بالاعتراف بقراهم كقرى زراعية. غني عن القول ان هذا النموذج التخطيطي هو الانسب للسكان حيث ان غالبيتهم ما زالت تقيم على اراضيها التاريخية وتعتاش من الاغنام ومن الحياة التقليدية. الامر اصبح جليا : المواطن اليهودي يستطيع العيش في المدينة او القرية , في الكيبوتس او الموشاب. حتى ان بعضهم يستطيع العيش في مزارع فردية. اما المواطن العربي النقباوي فعلية القبول في العيش في البلدات فقط. هذه البلدات الغير مطورة هي الافقر في اسرائيل حسب الاحصائيات الحكومية.

لأول مرة منذ النكبة ,ووفق اقتراح قانون برافر. تقوم حكومة اسرائيل بوضع معايير تخطيطية جديدة للاعتراف بقرى عربية في البلاد. حتى الان وضعت الخارطة الهيكلية تاما 35 معايير واضحة تتمثل بالحاجة الى 30-40 عائلة او حوالي 200 شخص من اجل اقامة قرية او مستوطنة جديدة. المعايير الجديدة لا تأخذ بالحسبان عدد السكان حيث ان سكان اصغر قرية عربية غير معترف بها في النقب ينيف عن هذه الارقام . هذه المعايير تشمل الامكانيات الاقتصادية للقرية والتواصل السكاني بين بيوتها.

لأول مرة منذ قيام دولة اسرائيل يتخذ قرارا بهدم قرى عربية والتخطيط لبناء قرى يهودية على اطلالها. ان قصة قرية ام الحيران هي خير شاهد على عنصرية حكومة اسرائيل. هذه القرية طرد سكانها من اراضيهم في "خربة زبالة" من اجل اقامة كيبوتس شوفال في سنوات الخمسين من القرن الماضي . واليوم يطردون من ام الحيران من اجل اقامة حيران اليهودية. كل ذلك يحدث بعد ان اوصت مؤسسات التخطيطية الاسرائيلية بالاعتراف بهذه القرية. وترفض حكومة اسرائيل ابقاء القرية العربية مكانها كحي من البلدة اليهودية الجديدة. الزائر لتلك المنطقة لا يمكن إلا ان يندهش من رؤية طلائع المستوطنين اليهود ,الذين يسكنون في غابة عتير وعلى بعد خمسة كيلومترات فقط, ينتظرون هدم القرية منذ سنتين في من اجل الانتقال للعيش على انقاض القرية العربية.

المشهد المرعب في النقب لا يمكن تصوره او تحمله. في زياراتي المتكررة لعائلة شحدة ابو القيعان من قرية عتير شاهدت , في الشهر الأخير , تطبيق قانون برافر حتى قبل انهاء سنه في الكنيست. حي في هذه القرية الوادعة يشمل حوالي الثلاثين بيتا هدم بالكامل. السكان بغالبيتهم صامدون وباقون على ارضهم يلتحفون السماء. الحكومة الاسرائيلية واذرعها المختلفة اعدت المنطقة للتحريش لكنها لا تتورع عن البحث عن اشجارنا ؟ هويتنا ؟ واقتلاعها اولا. اشجار الزيتون , التين , الصبر والرمان يتم اقتلاعها قبل اقتلاع الانسان. في الوقت نفسه تبقي اشجار الكينا والاليكيبتوس وغيرها من اشجار الاستيطان اليهودي في فلسطين.

سيارات الشرطة والدوريات الخضراء تصل عائلة ابو القيعان في عتير يوميا وتحاول " اقناعهم " بالرحيل. لكن امام اصرار هذه العائلة على البقاء في قريتها وعلى ارضها لم يبق لهؤلاء إلا التهديد " بجلب الباصات وترحيلكم الى ما وراء الحدود ". نعم الترانسفير يجول في اذهان الكثيرين من العنصريين في المؤسسة الاسرائيلية. فما نحن فاعلون؟

يثلج الصدر ان نرى ممثلينا في الكنيست يتحدون الاغلبية العنصرية في الكنيست , يعارضون القانون العنصري , قانون برافر, ويمزقونه. لأننا كأقلية قومية يجب ان ندافع عن كياننا ومستقبلنا الذي اصبح في خطر. ولكي لا نردد " اكلت يوم أكل الثور الابيض " علينا تغيير خطابنا وسلوكياتنا والتصرف كشعب. هذا الامر يتطلب منا جميعا : افرادا وجماعات , احزابا وحركات سياسية تحمل المسؤولية والعمل على انجاح الاضراب يوم الاثنين القادم في 15-7-2013.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
bokra.editor@gmail.com