بقلم حنين أمارة

في بداية طفولتنا، حين كانتِ الحياةُ مفعمة بالحماسة والأمل في أعيننا، حين كنّا حالمين طموحين بغدٍ مشرقٍ جميل، دخلْنا المدرسةَ بأيادٍ صغيرةٍ وقلوبٍ كبيرة كأحلامنا. حملنا الحقائب التي بدت أثقل من أكتافنا، لكنها كانت تحوي بذورًا لِما سيكبر فينا: الفضول، والرغبةُ في الفهم، والانتماءُ إلى عالمٍ أوسع من الحيِّ والبيت...

لقد كانت المدرسةُ في بدايتِها بناءً عظيمًا لا يضُمُّ صفوفًا وجرسًا فحسب، بل كانت وعدًا ضمنيًّا بأننا سنتعلَّم كيف نُصغي إلى العالم، ونقرأه ليس فقط بالحروف ، بل بالوعي، وبأن نكتب مستقبلَنا بأيدينا، لا على اللوح فقط، بل نسطّره كلمة كلمة في حياتنا.

ومع مرور السنوات، تعرَّضت هذه الصورة اللامعة للضباب أحيانًا. بعض المدارس لم تُحسن الإصغاء لنبض الأطفال، وبعض الأنظمة بقيت قاسيةً، تختزل الطفلَ في درجته، وتُغفِل دهشته. شعرَ بعضُهم بأن الجدران التي كان يُفترَض أن تحتويهم باتت تضيق عليهم، وأنّ الصفَّ الذي يُفترض أن يكون ساحةَ انطلاقٍ بات يُشبه زنزانةً صامتةً تُكمّم الصوت وتُقيّد الفرح.

لكنّ الحقيقة ليست سوداء، ولا الصورةُ بكاملها قاتمة. فرغم الصعوبات، ما زال هناك في كل مدرسة نافذةٌ مفتوحة، ويدٌ تمتد، ومعلمٌ يُؤتمن، وطالبٌ يبحث عن المعنى.

كثيرٌ من المعلّمين اليوم يُجاهدون ليكونوا أكثر من ناقلي معرفة؛ يُحاولون أن يكونوا مرايا صافية يرى فيها الطفلُ نفسه باحترام، يُحاولون أن يُربّوا قبل أن يُعلّموا، وأن يُحبّوا قبل أن يُحاسبوا. في كل مدرسة، هناك صوتٌ خافتٌ يهمس في أذن طفلٍ مرتجف: "أنتَ قادر"، ونظرةٌ دافئة تقول: "أنا أراك".

ليست المدرسة مكانًا للمعلومات فقط، بل هي البيئة الأولى التي يختبر فيها الطفل فكرة العدالة، والإصغاء، والمرافقة. فيها يتعلّم كيف يختار، لا كيف يُؤمَر فقط، وكيف يخطئ ويُسامَح، لا أن يُخاف ويُعاقَب. فيها يبدأ بالتعرف على ذاته كإنسانٍ مستقل، لا كرقمٍ في دفتر العلامات.
في المدرسة يكتشف الطفل الفرق بين الصوت العالي والصوت الحقيقي، وبين السلطة القائمة على الخوف، والمكانة القائمة على الثقة. فيها أيضًا يتكوّن مفهوم الكرامة، إذ يدرك الطفل إنْ كان وجوده معتبرًا أو لا. كلمة واحدة قاسية من معلم قد تبقى ندبة لديه طيلة العمر، وكلمة تشجيع داعمة قد تصنع منه إنسانًا لا يُكسر.

ومع كل الصعوبات، تبقى المدرسة واحدة من أجمل الرّهانات التي يمكن لأي مجتمع أن يستثمر فيها. لأننا لا نُربّي فقط أطفالًا ليتجاوزوا الامتحانات، بل نُنشئ أجيالًا ستقود الحياة. إنّ الطفل الذي يُعامل باحترامٍ اليوم، سيكون بالغًا لا يخشى السؤال، ولا يُخيف غيره بالصوت أو المنصب. والمعلم الذي يرى في نفسه راعيًا، لا مُنفّذًا، سيكون النّور الذي لا يُطفأ في ذهن طالب بعد أعوام طويلة من مغادرته الصف.
إنّ إعادة المعنى إلى المدرسة لا تبدأ من تغيير الجدران، بل من تجديد الرؤية، أن تكون المدرسة مكانًا يُربّي الحُرّية لا الطاعة، ويحتفل بالتنوّع لا يُقيّده، ويمنح الوقت لنمو الفكرة لا لقتلها بسرعة الإجابة. فالمعرفة لا تُختزل بالعلامة، بل تُقاس بالقدرة على الفهم، وعلى الرحمة، وعلى الحلم.

ولا ننسى أن الطفل لا يحتاج إلى الكمال في معلمه، بل إلى إنسانٍ يُخطئ ويعتذر، يُعلّم ويُحبّ، يُنصت ويبتسم، يُربّي بالقلب قبل الشرح، وبالقدوة قبل اللوائح. كما لا يحتاج الصفُّ إلى رفوفٍ متراصّة، بل إلى فراغات يتسلّل منها النور، والحكاية، والضحك، والصمت الآمن.
إنّ المدرسة تعتبر بيتًا فقط حين يشعر فيها الطفل أن هويّته مقبولة، وأخطاؤه مفهومة، وأنّ أحلامه لها متّسع من الوقت والنقاش والاهتمام. إذا عاد إليها في الغد يعود مشتاقًا لا مكرهًا، وإذا خرج منها يخرج شاعرًا بأنه أفضل لتعلمه كلّ ما هو جديد ، لا منهكًا تعبًا.

فالمستقبل يبدأ من تلك اللّحظَةِ التي يُحسّ فيها طفلٌ بأنّه ليس رقمًا في سجل، بل هو شمعةٌ لها حق السطوع. من لحظةٍ يبتسم فيها المعلم لا ليُكافئ، بل ليقول: "أنا أراك"، ويغمر الطالبَ شعورٌ بأنّه لا يحتاج أن يتنكّر ليُقبل، أو يتنازل ليَنجو.

وكلمة حقّ تقالُ أنّ ثمّة مدارس في عهدنا هذا، تسير بعزمٍ في درب التغيير، وتُشعل شموعًا صغيرة تُضيء عقولًا وتُدفئ قلوبًا. مدارس تحتضن طلابها بمحبةٍ لا تُشترى، وتُرافقهم بخطى واثقة نحو غدٍ أفضل. هناك أماكن تُبنى فيها العلاقات على الاحترام، لا على الخوف، ويُنسج فيها التعاون بين المعلمين والأهالي خيطًا ذهبيًّا يُحصّن الطفل بالأمان، ويمنحه إحساسًا صادقًا بأنّه في بيته الثاني.


في هذه المدارس، لا يكون الصفّ سجناً، بل حديقةً من الأفكار، والمعلّم ليس رقيبًا، بل رفيق دربٍ، والطفل ليس متلقيًا صامتًا، بل باحثًا، صانعًا، حالمًا. هناك، تُواكب التربية أحدث النظريات، وتُدمج الوسائل التكنولوجية بسلاسة، ويُحتفى بالإنسانيّة قبل المنهاج.
ولعلّ من أهم الركائز التي تضيء درب المدرسة وتُقوّي بنيانها هو تعاون الأهل ودعمهم المستمر لمسيرة أبنائهم التعليمية والتربوية. فحين تكون يدُ الأسرة متشابكة مع يد الطاقم التعليمي، يُصبح البناء أشد متانةً، والتربية أعمق أثرًا. لا يمكن للمدرسة أن تنمو وتثمر وحدها، فهي تحتاج إلى تلك الشراكة الحقيقية التي تملأها بالثقة، ويُولّدها الحوار المستمر بين البيت والصفّ، حيث يلتقي الحبُّ في البيت مع التوجيه في المدرسة، ويُنسج أمل المستقبل في نسيج واحد.
في مدارسنا، التي نفتخر بها، نجد الطاقم التعليميّ الذي لا يكتفي بنقل المعلومة، بل يعانق روح الطالب، يُدرك موهبته ويُشجّعه على اكتشافها، ينصت لأحلامه ويحتضن ضعفه، ويسير معه خطوة بخطوة نحو أعلى القمم. وهنا يكون المكان فضاء يُنمّي الإبداع، ويزرع بذور الثقة، ويرتقي بالطلاب إلى ما هو أبعد من التلقين والتدريس.
وإذا اجتمع هذا الجهد التربوي مع دعم الأهل الحقيقي، صار للمدرسة قدرة فريدة على أن تصنع الفارق. فالأهل هنا ليسوا فقط مراقبين أو متلقين، بل شركاء فاعلين، يمنحون أبناءهم الدفء الذي يحتاجونه، ويؤكدون لهم أن النجاح ثمرة تعاون وثقة متبادلة. بذلك، يصبح الطفل محاطًا بحضن متكامل، حيث ينمو في جوّ آمن، ويشعر بأن لكل أحلامه مكانًا وحقًا في الحياة.
فليكن تعاون الأهل والطاقم التعليمي كالنّهر الذي يُغذّي الأرضَ الخصبةَ، لا ينقطع ولا ينتهي، بل يزداد قوةً وعطاءً، حتى تثمر مدارسنا أجيالًا لا تعرف اليأس، بل تنطلق من مَدارسها بثقة وإصرار، حاملة في قلبها حبّ التعلّم وروح التغيير.
وهكذا، تتجلى المدرسة حقًا كبيتٍ ثانٍ، لا يحبس الطفل بين جدران، بل يفتح أمامه آفاقًا لا حدود لها، يعانق فيها الإنسان الذي نأملُ أن يكون....





 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
bokra.editor@gmail.com